الجامعة الليبية: مسيرة العلم وبناء الدولة قبل انقلاب 1969

* كتب/ محمد المهدي زعبية،
شكّلت الجامعة الليبية منذ تأسيسها إحدى أهم ركائز المشروع الوطني الليبي في مرحلة ما بعد الاستقلال، وكانت انعكاسًا واضحًا لطموح الدولة الناشئة في بناء الإنسان الليبي القادر على إدارة مؤسسات بلاده والمساهمة في نهضتها. فقد جاء إنشاء الجامعة في سياق تاريخي اتسم بندرة الكفاءات الوطنية والحاجة الملحة إلى إعداد نخبة علمية وإدارية تسند مسيرة الدولة الحديثة.
تأسست الجامعة الليبية عام 1955 كأول مؤسسة تعليم عالٍ في البلاد، واتخذت من مدينتي بنغازي وطرابلس مقرًا لكلياتها، في تجربة فريدة هدفت إلى تحقيق توازن جغرافي وتوسيع دائرة الاستفادة من التعليم الجامعي. بدأت الجامعة بعدد محدود من الكليات، أبرزها كلية الآداب والتربية، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل كليات العلوم، والحقوق، والاقتصاد، والزراعة، والطب، مستعينة بخبرات أكاديمية عربية وأجنبية، إلى جانب الكفاءات الليبية التي تلقت تعليمها في الخارج وعادت للمساهمة في بناء الجامعة.
خلال سنواتها الأولى، لعبت الجامعة الليبية دورًا محوريًا في إعداد الكوادر التي شغلت لاحقًا مواقع قيادية في الإدارة والقضاء والتعليم والدبلوماسية. كما أصبحت فضاءً فكريًا نشطًا شهد حراكًا ثقافيًا وسياسيًا متناميًا، حيث كانت ساحات النقاش الطلابي تعكس القضايا الوطنية والقومية التي كانت تشغل العالم العربي آنذاك. وتميزت الحياة الجامعية بانفتاحها النسبي وتعدد الآراء، ما أسهم في تكوين وعي نقدي لدى جيل من الطلبة والمثقفين.
وعلى الصعيد الأكاديمي، سعت الجامعة إلى ترسيخ معايير التعليم الجامعي الرصين، رغم التحديات المرتبطة بضعف الإمكانات المادية وقلة البنية التحتية في سنوات التأسيس. ومع ذلك، استطاعت أن تضع لنفسها مكانة محترمة بين الجامعات العربية الناشئة، وأن تبني تقاليد أكاديمية أسهمت في استقرار العملية التعليمية وتطورها.
حتى عام 1969، ظلت الجامعة الليبية رمزًا لمشروع الدولة المدنية ومختبرًا لإعداد النخب، قبل أن تدخل البلاد مرحلة جديدة مع الانقلاب العسكري في الأول من سبتمبر، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول كبرى أثرت لاحقًا في مسار التعليم العالي والجامعة نفسها. ومع ذلك، تبقى المرحلة الممتدة من التأسيس حتى ذلك التاريخ شاهدًا على الدور الريادي الذي اضطلعت به الجامعة الليبية في بناء الدولة وصياغة الوعي الوطني.



