الاولىالرئيسيةالراي

إعادة ضبط المصنع: هل يجري تفكيك “العقيدة الوطنية” في ليبيا؟

*تحليل/ محمد خليل

من يراقب المشهد العام في ليبيا وخاصة في المنطقة الغربية مؤخراً، وتحديداً في مراكز الثقل السياسي والاجتماعي كمصراتة وطرابلس، يدرك أن الأمر لم يعد مجرد “أحداث عابرة”، بل نحن أمام مؤشرات متقاطعة توحي بأن هناك من يعبث بـ *”الإعدادات المحلية”* للبلاد، ويسعى بوعي أو بدون وعي إلى هندسة عقيدة وطنية وسياسية جديدة كلياً، تتناقض مع المبادئ التاريخية والثورية للمنطقة.

إذا قمنا بربط النقاط وتجميع مكعبات المشهد، سنقرأ بوضوح العناوين التالية:

1 الانقلاب على الثوابت الايديولوجية (الملف الفلسطيني):

تاريخياً، كانت القضية الفلسطينية خطاً أحمر في الوجدان الليبي. لكن ما نراه اليوم غريب عن ثقافة المنطقة:

* *استهداف الحاضنة الشعبية:* التضييق على قوافل دعم غزة، واعتقال وتشويه أفرادها معنوياً ومادياً، يتجاوز فكرة “الضبط الأمني” إلى رغبة في تجفيف منابع التعاطف الشعبي.

* *إعادة صياغة الوعي بالكيان:* إزالة صور قيادات المقاومة من على عمارة التأمين في مصراته وكذلك إزالة الشعارات المناصرة لفلسطين من الميادين، بالتوازي مع تصاعد نبرة إلكترونية شاذة تتنمر على الفلسطينيين وتفضل الصهاينة عليهم، هي محاولة ممنهجة لـ “تطبيع الوعي العام” وجعله متقبلاً للمشروع الصهيوني.

2 تفكيك البنية الاجتماعية والإنسانية:

حملات التنمر والتحريض الممنهج ضد المهاجرين الأفارقة لا تعكس فقط أزمة إدارة ملف الهجرة، بل تُستخدم لشحن الشارع بنزعة “شوفينية” (تطرف قومي) غريبة عن العمق الأفريقي لليبيا، وتساهم في عزل المجتمع إنسانياً وجغرافيّاً.

3 التماهي مع “مشروع حفتر” والتطبيع غير المعلن:

المعطيات السياسية والأمنية على الأرض تشير إلى تحول عميق في التحالفات:

* *خط بنغازي – أبوظبي – تل أبيب:* التقارير الملاحية للرادارات التي ترصد تنقل طائرة عائلة حفتر بين هذه العواصم الثلاث مراراً وتكراراً، تكشف بوضوح طبيعة المحور الإقليمي الذي يرتب للمشهد القادم.

* *اللقاءات البينية:* زيارات ولقاءات قيادات ونشطاء من مصراتة مع أبناء حفتر ليست مجرد “تنسيق أمني”، بل هي مؤشر على تراجع حاد في الموقف المبدئي ضد مشروع عسكرة الدولة، والانخراط في تسويات تفرضها القوى الإقليمية.

4 اعترافات العجز وتآكل السيادة الداخلية:

تصريح نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، في لقاء داخلي رسمي بأن “صدام (حفتر) يحكم طرابلس أكثر من حميد (الدبيبة)”، يمثل اعترافاً صاعقاً بتمدد نفوذ المعسكر الآخر إلى عمق العاصمة، وتآكل سلطة الحكومة القائمة، وتحولها إلى واجهة هشّة.

– الخلاصة:

البلاد لا تُدار بالمصادفة؛ بل هناك عملية “إعادة هيكلة للوعي والسياسة” تجري تحت الطاولة. الهدف منها إخراج ليبيا (والغرب الليبي تحديداً) من معادلة الصراع الإقليمي ضد الصهيونية، ودمجها في منظومة “الاتفاقيات الإبراهيمية” والمحاور التطبيعية، مع فرض أمر واقع محلي يسلم القيادة لعائلة حفتر بمباركة إقليمية.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل سينجح هذا “العبث بالإعدادات” في تدجين الشارع وتغيير عقيدته الوطنية، أم أن الهوية الحقيقية لليبيين ستلفظ هذه المدخلات الغريبة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى