
* كتب/ عبدالوهاب الحداد،
على غير موعد ولا تخطيط، وجدت نفسي في رحلة قصيرة إلى جزيرة جربة صحبة صديقين، عبد العظيم وعلي، لغرض علاجي لا أكثر.
لم أزر جربة من قبل، ورفقة هذين الشخصين لا تفوّت، كما أن الرحلة لن تتجاوز ثلاثة أيام؛ لذلك لم أحتج لكثير تفكير في قبول الدعوة.

ولمّا كان لكل رحلة -من العادة- علاماتها ومواقفها التي تظل تميزها عن غيرها، فإن رحلتنا هذه يمكن أن نسميها: “رحلة الصُّدَف”. فقد لعبت الصدف دورها حتى قبل انطلاقنا؛ بداية بعلاج صديقي في جربة، دونًا عن بقية مدن تونس الأخرى، وكانت تلك صدفة، ثم اختياره لي لأكون رفيقًا ثانيًا له في هذه المراجعة.
وبالصدفة، كنت قبل السفر بأيام قليلة منشغلًا بالبحث عن تاريخ الليبيين في تونس، ومررت بأخبار متناثرة عن جربة.
في الطريق أخذت أستعرض ما قرأت من معلومات على رفيقيّ، ويبدو أنني بالغت في ربط الكثير من تفاصيل ومكونات تونس بليبيا والليبيين، في انحياز شوفيني واضح؛ ما دعا صديقي إلى التعليق ساخرًا: أعتقد أنه حتى الرشاد “الحجر” في تونس أصله ليبي. بلعتُ التعليق وسكتّ.

في اليوم التالي من وصولنا إلى جربة، كنا على موعد مع صدفة جديدة؛ حين بحثنا عن مكتبات جربة على الإنترنت، فظهرت أمامنا “المكتبة البارونية”*، وبالصدفة أيضًا كانت قريبة من العيادة التي يعالج فيها صديقنا. توجهنا إليها، فوجدنا بابها مغلقًا، فألصقنا وجوهنا بزجاج الباب ننظر إلى الداخل، فإذا برجل يفتح لنا الباب ويدعونا إلى الدخول رغم انتهاء دوام العمل، كان مدير المكتبة، وبالصدفة تأخر في العودة إلى بيته يومها.
مدير المكتبة، الأستاذ سعيد الباروني، في العقد السادس من عمره، استضافنا ورحب بنا ترحيبًا كريمًا، وتجول بنا داخل أروقة مكتبتهم، مع شرح مستفيض في الحديث عن تاريخها، الذي يعود إلى مؤسسها أبو عثمان سعيد الباروني الفساطوي النفوسي، “الكاباوي الليبي”، الذي استقر في جربة سنة 1819م، فتوارثت العائلة المكتبة إلى اليوم.
وبينما نحن في جولة داخل المكتبة، صادف نظري صورة معلقة لشخص كأنني أعرفه؛ فإذا به الدكتور “عمرو النامي.. النالوتي الليبي”، نعم هو. وقد أطلعنا الأستاذ سعيد على كراسة قديمة احتفظ فيها بصفحتين تحملان كلمة للدكتور “النامي”، وإلى جوارها أبيات شعرية دوّنها بمناسبة زيارته للمكتبة في أغسطس سنة 1968م. ويا لها من صدفة!
لم ينتهِ أمر الصدف؛ فقد أدخلنا الأستاذ سعيد إلى ركن المخطوطات، وأطلعنا على ما تحتفظ به خزائنه من مخطوطات، وبالصدفة كان بينها نسخة من مخطوط يعود إلى الشيخ محمد بن غلبون “المصراتي الليبي”، يرجع تاريخه إلى سنة 1209هـ. كنت مع كل صدفة أنظر لصديقي صامتًا شامتًا.

وقبل خروجنا من المكتبة أوصانا الأستاذ سعيد بزيارة جامع “أبي مسور”، فذهبنا إليه. فإذا هو جامع عتيق يحتفظ بمعماره القديم كما هو. علقت على مدخله لوحة رخامية نقش عليها تاريخ تأسيه في أواخر القرن الثالث الهجري. ومؤسسه هو أبو مسور يصليتن اليهراسني، رحل من يهراسن بجبل نفوسة في صغره طلبا للعلم، وأخذ الفقه عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن يونس السدراتي النفوسي، وبنى الجامع الكبير المعروف اليوم بجامع أبي مسور، وتوفي قبل إتمامه فأكلمه ابنه فيصل.
في ذلك المكان أخرج صديقي هاتفه وصور كل شيء، حتى “الرشاد”.
____________________________________________________________
*للتعرف على تفاصيلها يمكنكم زيارة موقعها على الإنترنت: “المكتبة البارونية”.



