
* كتب/ يوسف أبوراوي،
يجلس صاحبنا في المقهى ينظر إلى القادمين بعينين تقولان أنا هنا بكل نرجسيتي وبهائي، متكئا في حديثه الصاخب على ركام من المصطلحات الفخمة، يوزع صكوك التنوير على الجالسين، يحدثك بثقة عن الحرية وإنسان ما بعد الهويات، وحتمية انهيار السرديات الكبرى في هذا الزمان، يستدعي فوكو ليحاكم السلطات، ودريدا لتفكيك المعنى، ونيتشه الهادم للأصنام، وينطلق مع سارتر ليؤكد أن الإنسان مشروع مفتوح لا تحدّه ماهيّة ولا نسب ولا قبيلة.
تظنه حين تراه قد تجاوز الطور البشري ليصبح كائنا ما بعد فلسفي، يعيش في الطابق العلوي من الوعي الإنساني!!
كل هذا الديكور يتبخر فجأة ما إن تمس وترا حساسا من غروره الذاتي، أو أن تقترب من أسطورة عائلته المقدسة.
فجأة يختفي فوكو ويتفكك دريدا ويهرب سارتر من المشهد بلا استئذان.
عندها لا يبقى أمامك إلا رجل بدائي يلوح بشجرة نسب أطول من عمر الحضارة نفسها، مقتنعا أن جده الخمسين كان سببا غير مباشر في شروق الشمس، وأن دمه يحتوي على عناصر كيميائية نادرة لا تتوافر لبقية البشر.
قبل دقائق كان يؤكد أن الهوية بناء اجتماعي متخيل، أما الآن فهو يدبج محاضرة من ثلاث ساعات حول الخصائص الفريدة لقبيلته الاستثنائية، وكيف أن الكون كله يدور حولها منذ الانفجار العظيم إلى اليوم.
قبل لحظات كان يهاجم المركزيات، ويحتقر الامتيازات الوراثية، أما الآن فهو يصوغ نظريته حول الجينات النبيلة وآليات انتقالها عبر الزمن، وأن الفضيلة والشرف والذكاء تورّث بالدم ولا تُنال بالعمل.
إنه نموذج مدهش لإنسان يحمل في رأسه مكتبة كاملة من فلسفات التحرر، بينما وعيه لا يحتوي على أكثر من خيمة نصبت من ألف عام.
تراه يقرأ ما بعد الحداثة ويفكر بعقلية شيخ القبيلة، يلعن العنصرية نظريا، ويمارسها عمليا باعتبارها (خصوصية)، يحتقر الطبقية في المقالات، بينما يؤمن أن بعض البشر (وهو منهم) خلقوا ليجلسوا على المائدة، بينما على البقية أن يحملوا الأطباق.
في النهاية يبدو المشهد برمته كوميديا سوداء، رجل يرتدي بدلة رواد الفضاء، لكنه يصر على ركوب حمار هزيل أجرب..



