
* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،
بعد ثورة فبراير، اتخذت الدولة الليبية إجراءات إدارية ومالية غير مدروسة أدت إلى أزمة اقتصادية خانقة؛ تسببت في إنهاك مؤسسات الدولة، واستنزاف احتياطاتها من العملات الأجنبية، وصولاً إلى نفاد السيولة النقدية من خزائن المصارف.
ويعود هذا النقص الحاد في السيولة إلى سوء إدارة القطاع المصرفي والفساد المستشري، الذي جعل المواطن الليبي عاجزاً عن التصرف في ممتلكاته المالية. إذ تفرض المصارف المحلية قيوداً صارمة على سحب الودائع، محددةً سقوفاً منخفضة جداً للمبالغ اليومية والشهرية المسموح بها. ويتأثر بهذه الإجراءات ملايين المواطنين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، في حين تُستثنى منها فئة كبار رجال الأعمال والسياسيين، وكل من يملك نفوذاً أو وساطة قوية داخل المنظومة.
يُشكل هذا الحد الأقصى للسحب عبئاً ثقيلاً في بيئة اقتصادية تسجل معدلات تضخم قياسية وفقاً لبيانات مصرف ليبيا المركزي. ونتيجة لذلك، يجد الكثير من المواطنين البسطاء أنفسهم محاصرين؛ فرواتبهم المتراكمة محتجزة في حساباتهم، ولا يمكنهم الوصول إليها. وفي هذا السياق، يعبر أحد المواطنين بحسرة قائلاً: “لديّ نقود في البنك ولا أستطيع استخدامها؛ إنه لأمر محبط أن تجد نفسك مالكاً للمال وعاجزاً عن التصرف فيه رغم حاجتك الملحّة، حتى في الحالات الطارئة والحرجة لا يمكنك سحبه، مما يولد شعوراً بالعجز التام”.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود طوابير الناس أمام المصارف، بل تتفاقم الأزمة مع الانهيار المستمر لبدائل الدفع الإلكتروني؛ إذ ترفض معاملات بطاقات الدفع المسبق ونقاط البيع الإلكتروني بشكل متكرر، إما بسبب ضعف البنية التحتية لشبكات الإنترنت أو للأعطال الفنية المزمنة في المنظومات المصرفية. هذا الفشل التقني يحرم المواطن من أبسط حقوقه، كشراء الأدوية، أو تحمل تكاليف الفحوصات الطبية، أو توفير المواد الغذائية الأساسية لعائلته. يُضاف إلى ذلك سلوك بعض التجار الذين يعمدون إلى فرض عمولات إضافية ورفع أسعار السلع في حال الدفع الإلكتروني لتعويض نقص النقد لديهم. ونتيجة لهذه الحلقة المفرغة، يعيش المواطن حالة من التجميد المالي قسرياً، وهو إجراء يراه قانونيون غير شرعي ويرقى إلى مرتبة العقاب الجماعي.
وفي غضون ذلك، تزايدت في السنوات الأخيرة أعداد المتضررين من المتقاعدين، والموظفين، وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يقضون ساعات طويلة في طوابير مهينة أمام مقار البنوك لسحب بضعة دنانير لا تسمن ولا تغني من جوع، منددين بما يصفونه بـسرقة مدخراتهم. ويرى خبراء اقتصاد أن المتضرر الأكبر هي الأغلبية العظمى من الشعب التي وثقت بالمنظومة المالية وأودعت أموالها في المصارف المحلية، واصفين ما يحدث بأنه عملية احتيال ممنهج، محمية بالفساد الإداري. ولم يقتصر الضرر على الأفراد، بل امتد ليشمل أصحاب الأعمال الصغيرة والمطاعم الذين يشتكون من جمود حركتهم التجارية وخسائر مالية كبيرة؛ جراء القيود المفروضة على العمليات والتحويلات المالية.
ختاماً، يمكن القول إن الوضع الراهن في ليبيا أشبه بحصار مالي داخلي؛ فالسيولة باتت مشكلة مزمنة يغذيها التضخم الذي ينهش القوة الشرائية للدينار، مما يدفع الأفراد والتجار نحو السوق الموازية للاعتماد على الدولار كملاذ آمن. هذا الانهيار المتواصل في قيمة العملة المحلية أدخل البلاد في حلقة مفرغة، فارتفاع الدولار يزيد من إفقار المواطنين ويقلص معدلات الاستهلاك، مما يرفع الأسعار ويعيق الاستثمار، لينعكس ذلك مجدداً على قيمة الدينار هبوطاً، ويترك المواطن البسيط وحيداً في مواجهة طوابير لا تنتهي.



