الرئيسيةالراي

رأي- ثقافة الهوية.. أم ثقافة المواطنة؟

* كتب/ د. محمود أبو زنداح
asd841984@gmail.com

يجب على المثقف، في الوقت الذي يحتاجه الوطن، أن يُلبّي النداء؛ أن يتجاوز متعة الكتابة لذاتها، وأن يرتفع فوق ما يعانيه من إقصاء السلطة وحجب حقوقه ومستحقاته، وما يتعرض له من تضييق وتشكيك. يتجاوز حرمانه من أبسط حقوقه، كالانتساب إلى كيان مهني يحميه ويدافع عنه. يتجاوز الأنا الضيقة، ويستقر في يقين واحد: أنه وحيدٌ وسط الضجيج، يحمل قلمًا.. يحمل رسالةً.. يحمل وطنًا يئنّ تحت وطأة ناهبي المال العام، وتحت ثقل فئامٍ كبيرة لا ترى خطورة ما يجري، وتحت غربة من فقد بوصلة الوطن، وهوية ادّعت أنها لا تنتمي إلى هذا التراب.
وهو اعتقادٌ باطل، نُشر عبر حملات مضلِّلة مفادها أن ليبيا ليست الوطن الجامع، وهي التي احتضنت حضاراتٍ عملاقة، وجمعت في كيانها العظيم خيوط التاريخ، وأنجبت أبطالًا جعلوا منها قارةً واسعة الأثر، تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية الراهنة.

ليبيا هي التي أسهمت في وضع حدٍّ لنيران الحرب العالمية الثانية، وهي التي تشعل الحروب وتُطفئها من وراء الستار. هي من أضفت روحًا متفردة على حوض البحر المتوسط، وأعلنت أمام الكبار أن هذا الصرح العريق قائمٌ شامخ، إلى أن انتهى عهده بدخول قوى الاحتلال إليه، قبل أن ينهض على قدميه كاملًا.
هي التي صنعت عبر التاريخ رجالًا خلّدوا اسمها، من يوليوس سيبتيميوس سيفيروس وكركلا، إلى ممالك نوميديا وفزان وقورينا العريقة، تلك التي أنجبت مدنًا حضارية لا يزال أثرها قائمًا إلى يومنا هذا.
هي من صهرت الحضارتين الإغريقية والفينيقية، وجمعت في ثراها فلاسفة اليونان وعقول الرومان في ملتقياتهم الكبرى. هي التي حمل البحر اسمها قديمًا قبل أن يُعرف بالبحر الأبيض المتوسط، وهي التي شكّلت ركيزةً في التصور الجغرافي القديم حين قسّم الأقدمون العالم بين ثلاث قارات لا غير: آسيا وأوروبا وليبيا.
وهي التي وصل أبناؤها الأوائل إلى أعماق ما صار يُعرف بالأمريكتين، وهي التي سجّلت أول اعتراف بالصين، وخاضت حرب السنوات الأربع مع أمريكا قبل أن تنشأ بينهما علاقات رسمية منذ ما يزيد على مائتي عام.
ليبيا التي لم تُهزم في ميدان، ولم تنكسر أمام أعتى المحتلين، فقد صنع أبناؤها مجدًا بلغ مداه حتى أوقف فرسان القديس يوحنا.
ليبيا جدارٌ عظيم وعصيّ، يمتد عبر العصور والحضارات، إلى ما قبل الإنسان المعروف، إلى ما يُعرف بـ”المنّ والحنّ”، حيث حار العلماء في تحديد أقدم وجود بشري على وجه الأرض. فكانت ليبيا أرض ما قبل الإنسان، محطة في رحلة عجيبة بين كائن يشبه الإنسان وما وراء الخيال، بين الإنسان والملاك.
وقد انصهر كل هذا الإرث في الإنسان الليبي، فبات يبحث في ماضيه عن مجد يستعيده، أو امتداد يتعرف فيه على نفسه خارج الحدود.
أما ليبيا التي تبحث اليوم عن يد العون من وراء البحار، فإن دولًا شامية كثيرة تملك مغتربين في شتى أنحاء العالم، يتمتعون بالامتيازات والثروات وجنسيات متعددة. فمواطنو لبنان، على سبيل المثال، يحملون الجنسية الفرنسية ويتحدثون الفرنسية، غير أن المصالح تجعل فرنسا ترى في “إسرائيل” شريكًا أعلى شأنًا من لبنان.
وتبقى الهوية لتلك الشعوب المنحدرة من جزيرة العرب، أو التي دخلها الإسلام فاتحًا ومبشّرًا، ومن الدولة التي هاجر إليها كبار الصحابة والقادة، والتقوا فيها بأولياء الله وصالحيه.
يجمعنا وطنٌ غالٍ بمجده وحضارته؛ فلا دولة أخرى، ولا جنسية ثانية، ولا لغة سواها تجمعنا بغيرنا. ليبيا أولًا وأخيرًا.. وأهلًا بكل من جاء خادمًا لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى