
* كتب/ يوسف أبوراوي،
كان الصيف بكل أيامه الحارة والمعتدلة، يأتي كل عام ثم يمضي، فنعيش حرّه كما عاشه من قبلنا، دون أن يتحول إلى القضية الأولى في أحاديث الناس.
أما اليوم، فقد أصبح الصيف حدثا إعلاميا متواصلا، تبدأ أخباره قبل أن يبدأ، ولا تكاد تنتهي منشوراته حتى ينتهي الموسم.
لا نتحدث هنا عن التغير المناخي، فهو حقيقة علمية لا خلاف عليها، وإنما عن ظاهرة أخرى موازية: الطريقة التي أصبحنا بها نشعر بالصيف.
علم النفس المعرفي يفسر ذلك بما يعرف بـ”تأثير التهيئة الذهنية”، فحين يتعرض الإنسان باستمرار لرسائل تتحدث عن الحر والرطوبة، يصبح عقله في حالة استعداد دائم لرصد أي إشارة تؤكد تلك الرسائل. فيلتفت إلى كل قطرة عرق، وكل نسمة ساخنة، وكل انقطاع للكهرباء، بينما يتجاهل الساعات المعتدلة التي كانت تمر عليه دون أن يلاحظها. وكأن العقل يرتدي عدسة لا ترى إلا الحرارة.
ويضاف إلى ذلك ما يسمى الاستدلال بالتوافر (Availability Heuristic)، إذ يميل الإنسان إلى تقدير حجم الظاهرة بقدر سهولة استحضار أمثلتها في ذاكرته. فحين تمتلئ صفحات التواصل بعشرات المنشورات عن موجة الحر، يخيل إلينا أن الحر أصبح غير مسبوق، حتى وإن كانت درجات الحرارة قريبة مما اعتدناه في سنوات سابقة.
ومن زاوية فلسفية، فإن الإنسان لا يعيش الواقع كما هو، بل كما تصوغه له خبرته وإدراكه. لذلك فإن التجربة ليست مجرد انعكاس لما يحدث خارجنا، بل هي نتيجة تفاعل مستمر بين الواقع وبين الصورة التي يبنيها العقل عنه.
ولهذا قد يعيش شخصان اليوم نفسه، أحدهما يراه خانقا لا يطاق، والآخر يراه يومًا صيفيا عاديا.
لقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي الطقس من تجربة شخصية إلى تجربة جماعية متواصلة، فلم نعد نكتفي بالشعور بالحرّ، بل أصبحنا نقرأ عنه، ونشاهده، ونتبادل النكات حوله، ونتابع الأخبار التي تؤكده، حتى أصبح الصيف حاضرا في أذهاننا أكثر مما هو حاضر في الجو نفسه.
وهنا تكمن المفارقة: ليس كل ما يزداد حضوره في وعينا يزداد وجوده في الواقع، ولكن كثرة الانتباه إليه تضخم أثره النفسي. فالضجيج الإعلامي لا يرفع درجة الحرارة، لكنه قد يرفع إحساسنا بها.
ربما كان الصيف هو الصيف نفسه، لكن الذي تغير هو نحن، تغيرت طريقة انتباهنا، وطريقة استهلاكنا للمعلومات، وأصبحنا نعيش الفصول مرتين: مرة في الطبيعة، ومرة في هواتفنا… وغالبا ما تكون حرارة الثانية أشد من الأولى !!



