الرئيسيةالراي

رأي- جاء الحاج.. قال الحاج

* كتب/ مفيد أبومديس،

هناك نوعية من البشر لا تقترب من المسؤول احتراماً له ولا تقديراً لمسؤوليته، بل تقترب منه طمعاً فيما يسقط من فتات المناصب ومزايا الكراسي..

هؤلاء لا يبحثون عن قيمة ولا يحملون فكرة ولا يملكون موقفاً، إنما يتقنون فناً واحداً وهو التزلف الرخيص والانحناء الطويل أمام كل صاحب نفوذ.

تجده يبدل ملامحه وكلماته وحتى كرامته من أجل سيارة أو مكتب أو امتياز بسيط، يبيع حريته بصوت منخفض ونظرات خاضعة، ويظن أن القرب من المسؤول رفعة بينما الحقيقة أنه يتنازل كل يوم عن جزء من احترامه لنفسه، حتى يصبح مجرد ظل باهت لا شخصية له ولا حضور إلا بما يمنحه له صاحب الكرسي.

تراه يردد أسماء المسؤولين بطريقة تثير الشفقة، يقول جاء الحاج.. قال الحاج.. يريد الحاج.. وكأن الوطن اختصر في شخص، وكأن المؤسسات تحولت إلى مزرعة خاصة تدور حول فرد واحد، لا حول قانون ولا نظام ولا كفاءة، وهذا النوع من البشر لا يسيء لنفسه فقط بل يفسد بيئة العمل ويقتل قيمة الرجال الحقيقيين، الذين يحفظون مسافة الكرامة بينهم وبين أي منصب.

لكن الانحدار الأكبر والأخطر ليس في المتملق وحده، بل في المسؤول الذي يتلذذ بهذه المشاهد، ويعتبرها دليلاً على الهيبة، وهو في الحقيقة يعيش وهماً مصنوعاً من الخوف والمصلحة، حين يسمح لنفسه أن يُعبد معنوياً وأن تتحول الألقاب حوله إلى حالة خضوع يومية فإنه يهين نفسه قبل أن يهين الآخرين؛ لأن المسؤول الحقيقي لا يقبل أن يرى الناس منحنية أمامه، بل يرفعهم بالقانون والاحترام والعمل.

المناصب لا تصنع رجالاً بل تكشف معادنهم، وهناك مسؤول كلما علا منصبه ازداد تواضعاً واحتراماً للناس، وهناك من إذا جلس على كرسي صغير ظن نفسه فوق البشر، فيحيط نفسه بالمطبّلين والمصفقين، ويعيش نشوة زائفة حتى يصدق أنه استثنائي، بينما الحقيقة أن من يحتاج إلى التهليل الدائم هو شخص فارغ من الداخل يخشى مواجهة نفسه بلا ألقاب وبلا حاشية.

الكرامة لا تشترى بالمزايا، والرجال لا تقاس بقربهم من أصحاب القرار، بل بثباتهم حين يرفضون الذل مهما كانت المغريات؛ لأن الإنسان الذي يعتاد الانحناء من أجل مصلحة صغيرة لن يستطيع الوقوف حين يحتاجه الحق واقفاً شامخاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى