الرئيسيةالراي

رأي- القوي العادل.. اختبار حكام ليبيا

* كتب/ د/ محمود أبوزنداح
ASD841984@GMAIL.COM

اللهُ الجبارُ المتكبر، له ما في السماوات والأرض وما بينهما، وعنده علمُ الساعة وإليه تُرجَعون.
هو القويُّ العادل في الأرض والسماء، ولكن جعل لمن يتبع سبل الرشاد التمكين، وهذا ما حدث مع الأنبياء والرسل والصحابة الذين بلغوا الرسالة، ومنهم من بُشِّر بالجنة.
فمن تمسّك بالإسلام قولًا وفعلًا، جُعلت له القوة والعدالة.
ومن هنا علمنا عن قادةٍ عربٍ أقوياء لهم صيتٌ في العدل، فكانت الحياة انتصاراتٍ ورغدًا وكبرياء وهيبةً في وطنٍ يعتز به كل من حوله.
فالمواطنة هي الفخر والانتماء، عندما يجد الإنسان الطمأنينة عبر أفعالٍ يرسّخها الحاكم وتتبعها الرعية.
وعلى خلاف أوروبا الغربية التي تقدمت في كل شيء، إلا الأخلاق، وذلك بفعل قانونٍ صارم ـإن اعتبرناه عدلًاـ فقد تحققت جزئية العدل، لكنها فقدت الركن الثاني، وهو الإيمان ونظافة القلب وطهارته، التي لا تكون إلا باتباع الإسلام قولًا وفعلًا.
وهذا ما جال به القذافي، القائد الثاني للدولة الليبية بعد الملك الراحل ادريس السنوسي.
فقد كان القذافي دائم الخطاب إلى دول العالم، يشقى بحياتهم ويبحث عن حلولٍ لهم، بينما ينزل بالدولة الليبية إلى غياهب النسيان. فقدت ليبيا بوصلتها بين: هل هي اشتراكية أم رأسمالية؟ علمانية أم إسلامية في قوانينها؟
كما ظهرت قوانين البيت لساكنه، ونزع الملكية بقانون رقم 4.
فُرضت الضرائب على الليبيين، وجُعل للأجانب الأرض والحق دون انتماء أو احترام لليبيا، ومنحت مساكن الليبيين للأجانب، وأصبح الليبيون مطاردين في المساكن والمزارع والمصانع والشركات والتجارة.
وخلق شيئا اسمه “شعب متساوٍ”، وهو أمر لم يحدث ولن يحدث؛ فما يُكتب على ورقة أراد جعله حقيقةً في اليوم التالي على شعبٍ صغير، منذ عام 1967 وما بعد 2011 إلى يومنا هذا.
ولم توجد خطة حقيقية لزيادة عدد السكان بما يستفيد من الثروات المالية الهائلة أو يحافظ عليها.
أُغلقت الزيادات وبقيت المرتبات، وفُتح باب الجمعيات لمن هو ليبي وأجنبي، وأصبحت السلع كلها من الخارج، ومن جاهد أصبح متساويًا مع الجندي التشادي الذي كان ضده في المعركة، وقِس على ذلك.
ذهب القائد الليبي، الذي يحمل إرث هيرودوت وكركلا، إلى أوروبا محذرًا بأنها على وشك الضياع، وأنها العجوز التي لن تعيش إذا لم تحقق نفسها.
وكان الغرب يستمع إلى القذافي باعتباره “سيد البحر المتوسط”، وليبيا التي صنعت التاريخ، الواقعة على ضفتي المتوسط، ذات الوزن القوي والعادل.
وفي زمن فلاسفة اليونان كانت ليبيا حاضنةً للعالم، وفي ميادينها آثار لبدة وصبراتة، حيث بُسط العدل واتُّخذت القرارات المهمة.
ومن هنا مرّ فلاسفة وكبار العصور؛ من أرسطو وأفلاطون وسقراط وهيرودوت وغيرهم، فلم تتوقف ليبيا عن إنجاب القادة، فإن من تعلّى على ليبيا سقط.
كان العالم ينصت إلى ليبيا، ليس لأشخاصها، بل إلى “دولة ليبيا”، وهنا الفرق بين من يعتقد أنه مهم، ولا يعلم أن الأهمية في أنه يمثل دولةً ذات إمكانيات ضخمة مالية وحضارية وتاريخية وماضٍ مجيد.
وكان القذافي يحرص على صناعة “الساتو” مقابل هجوم الناتو، وأن الناتو يسقط إذا كان للهجوم لا للدفاع.
ثم هاجم الناتو ليبيا في اختبارٍ حقيقي، وكانت تجربة أوروبا الكبرى تجاه القذافي الفيلسوف ومعطي الدروس لهم عام 2011، لحظة الحقيقة بين أمريكا والناتو.
ذهب القذافي إلى دول البلقان والآسيان والصين، وكانت له علاقات مع جماعات كبرى، فهو الزعيم الذي يتحرك بملامح الإرث الحضاري.
هذا العملاق الليبي جاء بالقوة والمال، لكنه بدأ يفقد العدل شيئًا فشيئًا.
أثقل كاهله الظلم الغربي لمصالح العرب، وما فعله الغرب من مجازر في ليبيا والجزائر وفلسطين وغيرها، فانتهى به الأمر إلى نزع العدل من قراراته، وهنا كانت الخطيئة الكبرى، فليس الغرب قدوةً لنا.
انتهت المؤسسات الحكومية الليبية بسبب تلك الأمنية، بسبب القوة التي امتلكها القائد الليبي، الذي رأى في نفسه جديرًا بحمل الريشة على رأسه مثل أجدادنا القدماء، وأنه يتقدم بخطى ثابتة نحو الصحراء وما بعدها، ويسير إلى الدول البعيدة ووادي النيل حاكمًا ومتحكمًا.
ولا يُستبعد ذلك، فقد كانت هناك ملوك وأسر ليبية متعددة وحّدت شعوب النيل وفتحت ممالك.
لكن القائد الثاني للدولة الليبية الحديثة ذهب أبعد من ذلك، فقد كان له تأثيرٌ في مصير إيران بعد عهد الشاه، حين دعمت ليبيا الثورة الإيرانية سياسيًا ولوجستيًا بعد عام 1979.
كما دعمت تركيا، التي أصبحت رقمًا صعبًا في أوروبا، فكانت ليبيا تمد يد الدعم لدولٍ عديدة، قديمًا وحديثًا، حتى أصبحت تلك الدول أكثر قوةً وتأثيرًا.
وكذلك دعمت مصر في الحرب والسلم، وتحركت نحو أمريكا الجنوبية، فكان الدعم الليبي حاضرًا في صعود شخصياتٍ سياسية وشعوبٍ سعت لاستعادة قرارها الوطني.
لكن هذا التطور انقلب داخل ليبيا، فكانت بلديات الجنوب مفتوحةً على امتدادات الشعوب خلف الصحراء، بسبب منح الجنسية العربية وتغيير بعض التوازنات القبلية بجلب شعوبٍ أخرى تتقوى بها أطراف على أخرى.
وأصبحت طرابلس مدينةً مزدحمةً بالشعوب المختلفة، ومستشفياتٍ تعج بالأجانب، بينما الليبي الذي يملك الحضارة ويدفع ثمن بقائه، يجد نفسه حارسًا لغيره، ويحمي أوروبا من الهجرة إليها.
ذهب القذافي بعيدًا، أراد أن يرتدي الريشة، لكنه ارتدى قبعةً ولباسًا أفريقيًا يختلف عن رمزية الريشة الليبية الحضارية.
ورحل القذافي، وبقيت شعوب أفريقيا في ليبيا تردد أنها “أرض الله”، بينما لا تدرك أن ليبيا لها ماضٍ عريق، وليست صحراء تُمنح من حاكمٍ أو محكوم.
ومهما بلغ سليل الليبيين من مجدٍ أو قرار، فإن الحضارة هي التي تحركه، وهكذا تنظر إليه الدول الأخرى.
فإذا كان قويًا وبحث عن العدل، أصبح منتميًا إلى من صنع مجد العرب والإسلام: القوي العادل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى