الرئيسيةالراي

رأي- الهيبــة للبعيد .. والعيبــة للقريب!!

* كتب/ مفيد أبومديس،

الكثيــــر  من الناس يقيسون الرجال بما يعرفونه عنهم لا بما أنجزوه. فالشخص الذي كبر معهم في الحي، ولعب معهم في الشارع  وجلس معهم على مقاعد الدراسة يبقى في نظرهم ذلك الفتى القديم مهما ارتفع مقامه أو اتسعت خبرته أو عظمت إنجازاته.

هذه  عادة اجتماعية متوارثة. فالمجتمع الليبي بطبيعته قائم على المعرفة المباشرة والعلاقات القريبة، وهي ميزة عظيمة في التراحم والتكافل، لكنها أحياناً تتحول إلى حاجز يمنع الاعتراف بالنجاح والتفوق.

فالناس يسهل عليهم أن يصفقوا لرجل جاء من مدينة أخرى، أو أن يمتدحوا شخصية لا يعرفون عنها إلا ما تسمعه الآذان، لكنهم يترددون في منح التقدير ذاته لمن عاش بينهم وعرفوا تفاصيل حياته منذ الصغر.

ولهذا كثيراً ما نسمع عبارات من قبيل: “نعرفه من زمان” أو “كنا نلعب معه” أو “ما الجديد الذي فعله؟”.

وكأن المعرفة القديمة أصبحت سبباً للانتقاص لا سبباً للفخر، وكأن نجاح ابن المدينة أو ابن المنطقة لا يستحق الاحتفاء لأنه خرج من البيئة نفسها التي خرج منها الجميع.

العادات الراسخة في المجتمع الليبي أن الناس تحفظ الزلات أكثر مما تحفظ الإنجازات. قد يقضي الرجل سنوات طويلة في خدمة مدينته أو وطنه أو مجتمعه، ثم تبقى في الذاكرة هفوة صغيرة أو موقف عابر يطغى على عشرات المواقف المشرّفة. بينما يُمنح الغريب مساحة أوسع للتقدير لأن الناس لا تعرف من حياته إلا الصورة اللامعة.

ولعل هذا ما يفسر لماذا غادر كثير من المبدعين والعلماء وأصحاب الكفاءات مدنهم بحثاً عن التقدير في أماكن أخرى. ليس لأن أوطانهم لا تحتاجهم، بل لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى بيئة ترى إنجازه قبل أن تتذكر أخطاءه، وتحكم على عطائه قبل أن تستحضر ماضيه.

كم هي جميلة ثقافة الاعتراف بالفضل. أن نقول للمحسن أحسنت، وللمجتهد اجتهدت، ولصاحب الإنجاز أنجزت، مهما كانت بيننا وبينه معرفة قديمة أو خلافات سابقة.

حين نتعلم أن ننظر إلى الناس بميزان الإنجاز لا بميزان القرب، وبعين الإنصاف لا بعين المقارنة، سنكتشف أن بيننا رجالاً ونساءً يستحقون من التقدير أكثر بكثير مما نمنحهم اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى