اخبارالرئيسيةفي الذاكرة

حكاية مدينة: طرابلس لدى الرحّالة العرب والأجانب ح 4

* كتب/ محمد المهدي زعبية،

 إذا أردنا أن نرى طرابلس “تتحرك”، فليس أفضل من أن نتبع مسار الرحالة داخل المدينة: من الباب إلى السوق، ومن السوق إلى الجامع، ومن الجامع إلى الأحياء والحمامات.

تبدأ الصورة غالباً بالأسوار والأبواب. فالأبواب ليست معماراً فقط؛ إنها نظام ضبطٍ للحركة: متى يُفتح؟ من يدخل؟ ماذا يُحمَل؟ ثم تأتي الشوارع التي يصفها بعض الرحالة بالضيق والتعرج، وهي سمة تتكرر في مدن المتوسط القديمة، حيث تؤدي الأزقة وظيفة الظل والحماية وتنظيم الحارات. بعدها نصل إلى السوق: قلب المدينة الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تتنوّع ملاحظات الرحالة: البضائع، الأسعار، الأصوات، الروائح، وتخصصات الأسواق. بعضهم يلتقط فكرة “السوق الكبير” وما يليه من أسواق أصغر، كأن المدينة تتدرج من العام إلى الخاص.

المساجد في الشهادات ليست دور عبادة فحسب، بل علامات هوية ومراكز تجمع. يذكر الرحالة الجامع باعتباره نقطة قياس: قربه من الأسواق، سعته، ملامحه، وما يحيط به من حركة بشرية. وفي المقابل تُذكر مؤسسات أخرى من الحياة العامة مثل الحمامات، بوصفها جزءاً من نمط العيش الحضري: نظافة، اجتماع، وربما طبقات اجتماعية تظهر من خلال من يدخل ومن يدفع.

ولا تغيب المقاهي أو أماكن الاجتماع، حيث يلمح الرحالة إلى عادات الناس في السمر والحديث، وإلى صورة الضيافة والاستقبال، كيف يحيّي الناس ضيفهم، كيف يلبسون، كيف يتعاملون مع الغريب، ما الذي يثير دهشته أو استغرابه.

ملاحظات الرحالة العرب كانت عن أنماط المعيشة، وطرق استقبال الغرباء، وملامح الكرم الذي اشتهر به أهل المدينة. وتبرز في هذه الروايات إشارات متكررة إلى المجالس العامة والأسواق بوصفها فضاءات جامعة لمختلف فئات المجتمع.

أما الرحالة الأجانب، فقد أولوا اهتمامًا خاصًا بملابس السكان، وبالاختلافات الثقافية التي شاهدوها، وبالطقوس اليومية المرتبطة بالدين والتجارة. وينقل الكتاب أوصافًا دقيقة للأعياد والمناسبات، وللأنشطة المرتبطة بالميناء، حيث تختلط اللغات والبضائع، في مشهد يعكس تعددية طرابلس وانفتاحها.

ويخلص المؤلف إلى أن طرابلس، كما ظهرت في كتابات الرحالة العرب والأجانب، ليست مجرد مدينة عابرة في مسار السفر، بل فضاء حضاريا ترك أثره في ذاكرة من مرّوا به، وسجلوه في كتبهم، ليصل اليوم إلى القارئ بوصفه شهادة حية على تاريخ مدينة متوسطية عريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى