الرئيسية / الرئيسية / في انتظار البرابرة… !!!

في انتظار البرابرة… !!!

في اعتقادي أن أجمل الروايات هي تلك التي تنتزعك من مقعدك وترحل بك عبر الأسطر والصفحات.. فتنتقل إلى أماكن وتدخل بيوت وتسير طرقات… لتسمع وترى خليطا من الأصوات والألوان والروائح… وتعايش مشاعر أناس تجهلهم ويجهلونك… ستقاوم الوصول إلى الصفحة الأخيرة… التي تهبط بك ثانية إلى حيثما انطلقت… وأنت تمني النفس برحلة أخرى… هكذا كانت رواية في انتظار البرابرة بالنسبة لي.

* كتب/ عطية صالح الأوجلي،

الرواية هي للكاتب جنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي والتي أصدرها عام 1980. اقتبس مؤلف الرواية اسمها من قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني المولود في الإسكندرية قسطنطين كفافيس الذي يقول في ختامها “وصل بعض جنود الحدود وقالوا إنه ما عاد للبرابرة وجود.. والآن ودون البرابرة ما الذي سيحل بنا.. هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول”.

بطل الرواية قاضي يمثل السلطة في قرية نائية على أطراف حدود الامبراطورية… حيث يعيش منذ ثلاثين عاما… يدبر أمور الناس ويشرف على الموظفين ويراقب التجار ويحل مشاكل الجميع بأسلوب مباشر يضمن فيه استقرار الأمور وسير الحياة دونمًا قلاقل.

لكن -وكالعادة- لا يدوم الاستقرار فثمة دائما من يجد أن طموحه في النفوذ والسلطة والثراء لا يتحقق إلا بزوال الاستقرار… وكالعادة… تأتي التغيرات من حيث لا يوقعها أحد… فيصل إلى القرية مندوب للسلطة يقود قوات مدججة بالسلاح وخضعت لتعبئة شرسة تجعلها على قدر عالٍ من الجاهزية لممارسة العسف والترهيب.

يتضح للقاضي المذهول أن القوة قد تم إرسالها لقمع البرابرة الذين تؤكد المعلومات تخطيطهم لشن حرب على الامبراطورية… ويستمع في ذهول أكبر لقائد القوة وهو يتحدث عن مخططاته لوأد هذا العصيان في مهده وللقضاء على الروح الشريرة للبرابرة… يحاول القاضي قدر جهده أن يؤكد لقائد القوة أن هؤلاء البرابرة ما هم سوى أناس بسطاء لا يشكلون أدنى خطر على الدولة… لكن السلطة لا تبالي برأيه …  فلها روايتها ورؤيتها… ومبرراتها ولا تحتاج إلى رأي آخر.

هذه المواجهة تخلق داخل القاضي صراعًا وحوارا أخلاقيا وفلسفيا حول شرعية الامبراطورية وحول الميول العدوانية للفكر التوسعي.. ويحدثنا عن تحولاته الفكرية والنفسية قائلاً “لقد آمنت طوال حياتي بالسلوك المتحضر، وفي هذه المناسبة، لا أستطيع أن أنكر أن الذاكرة تتركني مشمئزا من نفسي”.

وهكذا… تتطور الأمور وتتسارع الأحداث… ليجد القاضي نفسه يخضع للاستجواب وثم يسجن ويحاكم… بل ويعتبر من أعداء الدولة… فقط لأنه يحمل رأيا مغايرا لما تريد السلطات سماعه. تنجح الرواية في تصوير الخيارات الصعبة التي يعيشها أصحاب النفوس الكبيرة والآراء المستقلة في مناخ استقطاب حاد تخلقه سلطة.

البرابرة في هذه الرواية ليسوا أعداء ولا يحتاجوا إلى أن يكونوا… فهم مجرد عذر أو حجة تحتاجها السلطات لتبرر قيامها بحملات عسكرية تستهدف النهب وفرض السيادة وخلق النفوذ… إذ لا بد لأحد من أن يدفع ثمن الطموحات.

تعكس الرواية ثراء التجربة الإنسانية للكاتب ونجاحه من خلال رواية قصيرة في الغوص في أعماق النفس البشرية وتعرية تناقضات السلطات الحاكمة ونزعاتها التسلطية عبر الصراع بين نماذج إنسانية وجدت نفسها تلعب أدورًا متصادمة على مسرح أحداث لم يكن من صنعها. رواية قراءتها ستكتسب أبعادا واقعية في ضوء ما يشهده العالم من حروب امبراطورية تشن وكالعادة على…. البرابرة.

_______________________________

* جون ماكسويل كوتزي (بالإنجليزية: John Maxwell Coetzee)‏ (وُلد في 9 فبراير من عام 1940)، هو روائي وكاتب مقالات ومترجم ملمّ بالعديد من اللغات وحامل للجنسية جنوب الأفريقية. حاز كوتزي على جائزة نوبل في الأدب في عام 2003، وحصل أيضًا على جائزة بوكر الأدبية مرتين، وجائزة وكالة الأنباء المركزية الأدبية ثلاث مرات، بالإضافة إلى جائزة القدس وجائزة فيمينا الأدبية،  وجائزة الرواية العالمية المقدّمة من صحيفة تايمز الأيرلندية، فضلًا عن غيرها من الجوائز وشهادات الدكتوراه الفخرية.

شاهد أيضاً

الدبيبة يقر بأحقية الشعب في المطالبة بتغيير المشهد

الناس– صرح رئيس الوزراء الليبي “عبدالحميد الدبيبة” بأنه مع تيار الشعب الليبي في مطالبته بحقه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.