الرئيسيةالراي

جدلية السلطة: بين المال والسيف والدهاء

* كتب/ عبدالعزيز الغناي،

“إذن كيف يكون روبرت هو الملك وليس تايوين لانستر؟” إن المعارك ينتصر فيها الذهب لا الجنود!..

في أحد أروع تجليات الحوارات في مسلسل صراع العروش للكاتب الرائع جورج أر مارتين ضمن روايته الخارقة لحدود الإبداع المسماة أغنية الجليد والنار، قال نيد ستارك (رئيس الوزراء وشريك النضال في الثورة رفقة الملك روبيرت براثيون) للورد بليش (وزير الموبقات -إن صحت التسمية- ووزير المالية للممالك السب) أن عليه استدعاء أمير إمارة كاسترلي روك وأثرى أثرياء ويستروس تايون لانستر للعاصمة كينجز لاندق ولقصر الريد كيب.

حينها كان بيلش يعدد محاسن عائلة اللانستر وقوتهم المالية ومديونية المملكة لهم بملايين القطع الذهبية، وأن المال هو الموصل الرئيسي للحكم، وأنه “ليس من الحكمة استدعاء الأسد للحلبة وأن المال هو الذي يربح المعارك لا الجنود”.. رد عليه ستارك المعروف بقوته وحكمته: ​”إذن كيف يكون روبرت هو الملك وليس تايوين لانستر؟”

وروبيرت براثيون هو الملك الفعلي الذي قاد تمردا مسلحا على سلالة التارغيرين، وتايون لانستر هو صهر الملك وأثرى رجال ويستروس لكنه انضم للثورة مؤخرا وأمير على أمارة كاسترلي روك.

هذا الحوار رغم قصره إلا أنه يسلط الضوء على معضلة فكرية فلسفية واقعية، من الذي سيحكم، الأذكى أم الأغنى أم الأقوى؟  ومن الذي سيجلس على العرش هل الدهاء السياسي أم المال أم القوة؟

في الحقيقة لا إجابة نهائية لهذا السؤال، لكنه قطعا ليس المال مع أهمية عدم إغفال دور المال للوصول إلى سدة الحكم والمساهمة في استقراره، ودعونا نسرد الشواهد، المال خادم جيد للسلطة لكنه لا يمكن أن يصنعها، بل يتحول أحيانا إلى نقمة.

هنا سيكون التفصيل، شكّل النبلاء والقياصرة جيوشا وخاضوا معاركا ضد الجيش الأحمر البلشفي، لكن الثوار انتصروا في النهاية، وهل كان ستالين أثرى رجال روسيا القيصرية؟.. هل كان القذافي أغنى رجال ليبيا أو حتى جمال عبدالناصر أغنى رجال مصر، لماذا فشل النبلاء في فرنسا في قمع الثورة؟ لماذا انتصر المسلمون في بدر والقادسية اليرموك -رغم أنهم كان أفقر من خصومهم- وتبع هذه الانتصارات العسكرية تغيرات سياسية عميقة؟

في ليبيا يهتم كثير من السياسيين بجمع المال، ويهملون مع الوقت التوطئة السياسية وتوفير القوة الحقيقية لا قوى الاسترزاق، فترى هذا النهم الغريب للعيش المرفّه ولتسليط الأضواء عليه دون إدارة سياسية حكيمة للوصول لمبتغاهم، ولعلّي أسأل كم كانت ثروة القذافي حينما ثار عليه الثوار؟ وما هو حجم الأموال التي استطاع إدارتها حينما احتاج إليها، هل دافعت أموال بشار عنه حينما تقدم الثوار على محاور دمشق.

قدم جورج مارتن الحكمة في جملة، لماذا يحكم روبرت طالما أن الذهب هو من يربح المعارك؟ قد تكون الإجابة أنها حكمة الله خلق للبشر سجايا تختلف، فمن يتاجر تصعب عليه السياسة، ومن يسيس الأمور قد يصعب عليه القتال.

والملوك جينات وأفعال وقرارات، بينما رأس المال جبان يبحث دوما عن الأمور المضمونة، فيما تحتاج السياسة لجانب كبير من المقامرة والتهور أحيانا.

حرب الخليج الرابعة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من جهة أخرى بينت العجز والفارق، صحيح أن ترامب ودي فانس وكوشنر وويتكوف يحكمون أقوى دولة في العالم، لكنهم حديثو عهد بالسياسة، ومهما علا كعبهم يبقى بوتين أرسخ منهم، وشي جي بينغ واردوغان وعراقجي وغيرهم، يركز عراقجي على فكر القنفذ الاستراتيجي بينما يبحث ترامب عن صفقة، كيف يضارب كيف يزيد ثروته؟ وهذا ما جعل قريش الطامعة في المال تتساقط أمام هدف المسلمين الاستراتيجي وهو الفتح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى