الرئيسيةالراي

رأي- الهيـــدوق.. حين يتحول الرأي إلى قطيع

* كتب/ مفيد أبومديس،

في اللهجة الليبية، كثير من الكلمات تختصر مشاهد كاملة من الواقع، ومن بين هذه المفردات يبرز مصطلح “الهيدوق جمع  الهيداقا” كواحد من أكثرها تعبيرًا وإيلامًا في آنٍ واحد.

هو ليس مجرد وصف عابر، بل حالة اجتماعية تتكرر كل يوم، حين يتحول الفرد إلى تابع بلا رأي، يسير حيث تُساق الجموع دون تفكير أو تمحيص.

الهيداقا..  لا ترتبط بفئة عمرية أو مستوى تعليمي بعينه، بل هي سلوك ينتشر عندما يغيب الوعي ويضعف الحس النقدي. تراهم يندفعون خلف أي شعار، يصفقون لأي خطاب، ويهاجمون من يُطلب منهم مهاجمته، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟

في المشهد الليبي، ومع تعقيدات السياسة وتداخل المصالح، أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا. فكل طرف يحاول أن يصنع “هيداقاه” الخاصة، يوجههم كما يشاء، ويستثمر في حماسهم غير المنضبط. وهنا تكمن الخطورة، لأن القطيع حين يتحرك بلا وعي قد يهدم أكثر مما يبني، ويُربك أكثر مما يُصلح.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود “الهيداقا”، بل في البيئة التي تُنتجهم.  بيئة تُستبدل فيها المعلومة بالشائعة، والنقاش بالصراخ. في مثل هذا المناخ، يصبح التفكير عبئًا، والانقياد هو الخيار الأسهل.

كل شخص قادر على أن يخرج من هذا القطيع، بأن يسأل، ويبحث، ويُشكك في ما يُعرض عليه، بدل أن يبتلعه كما هو. الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة، خاصة في بلد يحتاج كل صوت عاقل فيه إلى أن يكون فاعلًا لا تابعًا.

في النهاية “الهيداقا” ليست قدرًا محتومًا، بل حالة يمكن تجاوزها. والفرق بين مجتمع يتقدم وآخر يتعثر، هو عدد أولئك الذين يختارون أن يفكروا… لا أن يُساقوا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى