
* كتبت/ آلاء الغرياني،
في الصيدلية، لا يخرج المريض دائمًا بما جاء من أجله فقط.
أحيانًا يخرج بعلبة دواء، ومعها جملة قالها له الصيدلي، ونبرة صوت، وطمأنينة، أو خوف.
وهنا تأخذنا الصيدلة إلى مفهوم طبي مهم هو Placebo Effect؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن توقعات المريض، وطريقة تقديم العلاج، والبيئة المحيطة به، وعلاقته بمقدم الرعاية الصحية، يمكن أن تؤثر في تجربته للأعراض ونتائج العلاج، خصوصًا في أعراض مثل الألم.
فالمريض الذي يستلم دواءً جديدًا، ويسأله الصيدلي بهدوء عن طريقة استخدامه، وما المتوقع منه، ومتى يجب أن يراجع الطبيب، قد لا يكون قد تلقى دواءً مختلفًا عن مريض آخر، لكنه تلقى تجربة علاجية مختلفة.
وفي الجهة المقابلة يظهر Nocebo Effect؛ فعندما تقدم المعلومات بطريقة مخيفة أو سلبية، قد تصبح توقعات المريض نفسها مصدرا لزيادة بعض الأعراض أو القلق المرتبط بالعلاج.
وهنا تظهر إحدى أهم مهارات الصيدلي: كيف نعطي المعلومة دون أن نعطي معها الخوف؟
ليس المطلوب أن نخفي الآثار الجانبية أو نقلل من مخاطر الدواء، بل أن نشرحها بمهنية وتوازن.
فبدل أن نقول للمريض: “هذا الدواء ممكن يديرلك مشاكل كثيرة”، يمكن أن نقول: “هناك آثار جانبية محتملة، أغلب المرضى لا يعانون منها، وإذا ظهر عرض معين سأخبرك ماذا تفعل ومتى تحتاج إلى مراجعة الطبيب”.
المعلومة واحدة، لكن طريقة تقديمها مختلفة.
وهذا نراه يوميا في الصيدلية:
مريض يبدأ علاجا جديدا وهو خائف من كل عرض قرأ عنه على الإنترنت، أو أم تعطي طفلها دواء وهي قلقة من كل جرعة، أو شخص يوقف علاجه بمجرد شعوره بعرض بسيط لأنه اقتنع مسبقا أن الدواء لا يناسبه.
هنا لا يكون دور الصيدلي مجرد Dispensing؛ بل Counseling، وطمأنة، وتصحيح توقعات، وحماية للمريض من الاستخدام الخاطئ للدواء.
ومن أجمل ما يذكرنا بمسؤولية الكلمة قول النبي ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.
والحديث ليس دليلا طبيا على الـPlacebo أو الـNocebo، لكنه يضع أمامنا مبدأً إنسانيا عظيما: الكلمة مسؤولية.
فإذا كان الصيدلي يراجع جرعة الدواء، وتداخلاته، وموانع استعماله، وآثاره الجانبية، فربما علينا أيضا أن نراجع جرعة الكلام الذي نصرفه للمريض معه.
قد لا تشفي الكلمة الطيبة مرضا، ولا تحل محل العلاج المبني على الدليل، لكنها قد تجعل المريض أكثر فهما لعلاجه، وأكثر التزاما به، وأقل خوفا منه.
وفي الصيدلة، ربما لا يكون المطلوب دائما أن نصرف الدواء الصحيح فقط، بل أن نعرف أيضا كيف نصرفه بالكلمة الصحيحة.



