الرئيسيةالراي

رأي- ثورة الشمعة،

 * كتب/ ربيع بركات،

انقطع التيار الكهربائي عن المدينة في شهر أبريل 2011. أبريل ليس من الأشهر المطروحة عادة لطرح الأحمال، ولكن الحرب كانت السبب حينها، فالمدينة كانت تحت حصار وقصف.

وتحت ضوء الشمعة أتى خبر استشهاد مصباح في معارك شارع طرابلس، محمد، (أخ مصباح) تألم كثيرا. فالشهيد ترك ابنتين لعائلته حيث انطفأ نورها بفراق ابنها الأكبر.

بعد ستة أشهر من انتهاء الظلام، وصلت البلد إلى ضوء في النفق ولكنه لم يكن نهايته، ربما كانت فتحة صرف صحي، لا يهم فقد أنار ذاك الضوء البلاد لبضعة سنين حتى سخنت محطات الكهرباء الخارجة عن الصيانة وتمددت جيوب مسؤوليها بالثروة بينما انكمشت أهداف الثورة عاد الظلام إلى النفق وأعاد الشعب إيقاد الشموع لأسباب اقتصادية، لأنه وعلى ما يبدو، أهداف الثورة أكبر من أن تسع الجميع.

محمد، أخ الشهيد، لم يكن راضيا بالوضع الحالي لبلد ضحى أخوه بحياته من أجل نظام أفضل. قضية دم الشهداء امر حساس وخطير عند الشعب الليبي. أن تضيع التضحيات سدى هو مبلغ لا يستطيع محمد دفعه بدون مقايضات ووسائل دفاع نفسي مركبة. الدم، هذا السائل الأحمر مثير للجدل، حتى إن بعض المدن التي تتبع سلوك القبيلة، لا تريد الخضوع إلى صلح ووحدة بسبب دم الشهداء، الشهداء من الطرفين، بينما كان معظم الشعب في حالة إنكار لظلام النفق، كان محمد (أخ الشهيد) يحاول أن يجد أهداف الثورة، على الأقل لبنات أخيه اللتين سيكبران وعلى الأرجح سيلعنان الثورة التي أخذت أباهم وبلدهم.

لاحظ محمد (أخ الشهيد) أن كيفية سير الأمور في البلد بدأت تأخذ نمطاً متكررًا، أن أهداف الثورة في ملعب البلد الفاسد تُؤخذ ولا تُمنَح، تؤخذ بطرق لا تحتمل القياس الأخلاقي الذي عادة يكون الدين ميزانه.

بين مطرقة خُطبِ الجمعة وسندان دموع أعين ابنتي أخيه الشهيد، قرّر محمد، أن يحقق أهداف الثورة بطريقته، انضم محمد إلى حكومة العائلة الفاسدة وزبانيتهم، تزوّج منهم، ووظّف إخوته وأقاربه في مناصب حكومية بمُؤهلات لا تعلو عن كونهم أقارب للشهيد.

صنع محمد حياةً جديدة له ولأسرته تحت شعار “دم الشهداء ما يضيع هباء” بإعادة تعريف أهداف الثورة وتحقيقها. بينما كان محمد يَعُدّ ما تبقى من صفحات شاغرة لأختام تأشيرة جديدة في جواز سفره الدبلوماسي الثقيل بملصقات الڤيزا، كان أصدقاؤه يعدّون الأيام حتى تبارك السيولة مصارفهم، والكهرباء منظوماتها المصرفية.

أصدقاء محمد (أخ الشهيد)، كانوا يجلسون مع محمد في مقاهي المدينة يسبّون الحكومات التي تلت الثورة. استمرّ الأصدقاء بالشتم بينما صار محمد (أخ الشهيد) المشتوم.

عند قيادة سيارته في العاصمة، يمر محمد (أخ الشهيد) بطوابير المؤسسات الحكومية تحت شمس يوليو مُخترقاً ضجيج المولّدات الكهربائية، يبرر منحته بكونه أخاً للشهيد وابناً لقانون الأدغال الذي تسلّل إلى البلد تحت ضجيج الألعاب النارية لاحتفالات ذكرى 17 فبراير.

لم يكن صعباً على محمد (أخ الشهيد) أن يقاوم تأنيب الضمير، فبعد أكثر من عقد على نفق ثورة طويل بشبابيك علوية صغيرة وسلالم معدودة. صراع البقاء يجعل أكثر رجال الدين زُهداً، أكثرهم أنانية.

لهب الشمعة تمدد إلى الشوارع الغاضبة وانتقل إلى إطارات المحتجّين على النظام، على الفوضى المنظمة، على من احتكروا أهداف الثورة لأنفسهم كافرين بدماء الشهداء.

أصحاب محمد (أخ الشهيد) انضموا للاحتجاجات الرقمية ومشاركة “حسبنا الله ونعم الوكيل” بينما هو مشغول بمشاركة مناشير الصفحة الرسمية للحكومة الحالية لإنجازات مثل حفل افتتاح حديقة عامة، سوق تجاري، أو طريق جديدة قد تم فيها قطع أشجار الحديقة التي فُتحت قبلها!

تشقّق أسفلت الطريق بعد الحفل بشهر. الشمعة قاربت على الانتهاء وليل الصيف بدون كهرباء أطول من الشتاء. ولكن بال الشعب -لِحظّ الحكومة- لازال أطول منهم جميعاً.

لربّما ابتسم مصباح من السماء لرؤية ابنتيه ينعمان بطفولة مدللة، ولكنه حتما سيضحك فرحاً إذا طال لهب الشمعة أثاث مكتب أخيه في الحكومة التي سرقت ثورته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى