
* كتب/ د. محمود أبوزنداح : asd841984@gmail.com
ليس كل ما يتم وفق القانون يحقق العدالة، وليس كل ما تحيطه الإجراءات الرسمية يخلو من التساؤلات.
آلاف الليبيين يتقدمون سنويًا إلى السفارات الأوروبية بطلبات للحصول على تأشيرات أو اللجوء، بعد دفع رسوم باليورو، واستيفاء قوائم طويلة من المستندات، ثم ينتظرون أشهرًا، وربما سنوات، قبل أن تنتهي نسبة كبيرة من الطلبات بالرفض، دون استرداد الرسوم المدفوعة.
وقد يصف البعض هذه المنظومة بأنها “نصب قانوني محترم”؛ فهي تستند إلى إجراءات معلنة ورسوم مقررة، لكنها في نظر منتقديها تثير تساؤلات حول جدوى ما يدفعه آلاف المتقدمين مقابل طلبات لا يُكتب لعدد كبير منها القبول.
إن البحث عن الهجرة لا يولد من فراغ، بل هو نتيجة لتراكم الأزمات. فالمواطن لا يبحث فقط عن المال، وإنما عن الأمان بكل صوره: الأمان النفسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والقانوني، والصحي. كما أن وجود مؤسسات قوية، وخدمات عامة جيدة، ومكافحة حقيقية للفساد، كلها عوامل تجعل الإنسان أكثر تمسكًا بوطنه.
لكن استمرار الانقسام، وضعف الخدمات، ونقص الدواء، وتعثر بيئة الاستثمار والعمل، وتراجع بعض الحقوق، كلها عوامل تدفع البعض إلى التفكير في مغادرة البلاد بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا.
وفي سبيل ذلك، يقدم طالب التأشيرة أو اللجوء ملفًا قد يحتوي على أدق تفاصيل حياته: بياناته الشخصية، ووثائقه الرسمية، وسيرته، وعلاقاته الأسرية، وأوضاعه المالية، وأحيانًا روايات تتعلق بمعتقده أو ظروفه الاجتماعية أو غيرها من المعلومات الحساسة التي تختلف باختلاف نوع الطلب.
وسواء انتهى الطلب بالقبول أو الرفض، فإن هذه الملفات تبقى محفوظة ضمن أرشيف الجهات المختصة في الدول الأوروبية وفق أنظمتها وقوانينها، وهو ما يثير لدى البعض تساؤلات حول حجم البيانات الشخصية التي تصبح ضمن سجلات تلك الجهات، ومدى وعي المتقدمين بطبيعة المعلومات التي يقدمونها وآثار الاحتفاظ بها.
وليس المقصود من هذا الطرح التشكيك في حق الدول في تنظيم الهجرة أو حماية حدودها، فذلك حق سيادي تكفله القوانين الدولية، وإنما المقصود هو التساؤل: لماذا أصبح آلاف الليبيين مستعدين لخوض هذه الرحلة الطويلة والمكلفة، بكل ما تحمله من مخاطر واحتمالات الرفض؟
إن الإجابة تبدأ من الداخل، من بناء دولة توفر لمواطنيها الأمن، والكرامة، والعدالة، والخدمات، والفرص، حتى يصبح البقاء في الوطن هو الخيار الأول، لا الهجرة منه.



