
* كتب/ محمود أبوزنداح،
في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن زيادة مرتبات الموظفين، يخرج السؤال الأصعب: هل زيادة المرتبات تعني تحسنًا حقيقيًا في حياة المواطن، أم أنها مجرد زيادة جديدة في كلفة الدولة، بينما تبقى الخدمات الأساسية غائبة؟
ليبيا اليوم تعيش حالة من التفاوت الواضح بين شرائح المجتمع، ليس فقط في الدخول والمرتبات، وإنما في الامتيازات والعلاوات والفروقات بين الوظائف والجهات المختلفة. ومن الطبيعي أن تكون هناك فروقات وظيفية تتناسب مع المسؤوليات والمؤهلات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ذلك إلى تمييز غير عادل يجعل بعض المواطنين يعيشون في مستوى، بينما تكافح طبقات أخرى من أجل أبسط متطلبات الحياة.
المواطن الليبي لا يريد المستحيل،
يريد أن يعيش، أن يفرح، أن يجد الكهرباء والماء والوقود والخبز، وأن يدخل السوق فيجد سلعة جيدة بسعر يستطيع تحمله. يريد دولة يشعر فيها أنه مواطن له حقوق، لا مجرد رقم في منظومة المرتبات.
فما قيمة زيادة المرتب إذا كانت الكهرباء تنقطع، والماء ينقطع، والوقود يشح، وأسعار المواد الغذائية ترتفع بصورة مستمرة؟
وما قيمة زيادة الدخل إذا كانت الزيادة نفسها تلتهمها الأسعار في الأسواق؟
المعادلة أصبحت أكثر قسوة: زيادة في المرتبات من جهة، وزيادة في الأسعار من جهة أخرى، وبينهما مواطن يحاول فقط أن يحافظ على قدرته على العيش.
والأكثر إيلامًا أن مظاهر الخلل لم تعد تحتاج إلى تقارير ودراسات حتى نراها؛ يكفي أن يخرج المواطن إلى الشارع.
ذهبتُ إلى سوق الخضار لأشتري بعض احتياجات المنزل، فوجدت مشهدًا آخر من مشاهد الدولة التي فقدت الكثير من قدرتها على تنظيم الحياة اليومية. سيارات تابعة لجهات أمنية مختلفة، وتسميات متعددة، تقف متجاورة في محيط السوق، في مشهد يثير التساؤل عن حجم الأجهزة والجهات الموجودة، وعن طبيعة الأدوار التي تقوم بها، وعن سبب حضور هذا الكم من السيارات والجهات في مكان يفترض أنه سوق لبيع الخضار.
ثم دخلنا إلى السوق.
كان المشهد أكثر قسوة.
الخضروات نفسها لم تعد كما كانت؛ جزء منها بدا رديئًا ومتهالكًا، وكأن انقطاع الكهرباء وسوء التخزين وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل انعكس حتى على ما يوضع أمام المواطن على بسطة السوق.
تتجول بين الخضروات، تبحث عن شيء جيد بسعر مقبول، ثم تعود إلى بيتك وأنت تشعر بأنك لم تشترِ فقط خضروات، بل اشتريت دليلًا جديدًا على حجم الأزمة.
وهنا يجب أن نسأل:
هل مشكلة ليبيا هي المرتبات فقط؟
بالتأكيد لا.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
نحن بحاجة إلى دولة تنتج وتخطط وتراقب وتوفر الخدمات، لا دولة تكتفي بزيادة بند المرتبات كلما ارتفعت الأسعار.
فالمرتب وحده لا يصنع حياة كريمة.
الحياة الكريمة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، ووقود متاح، وأسواق منظمة، وأسعار يمكن السيطرة عليها، وخدمات صحية وتعليمية محترمة، وإدارة عامة تعمل وفق القانون والكفاءة.
أما أن يحصل المواطن على زيادة في راتبه، ثم يجد أن الأسعار قد سبقته إلى السوق، فهذه ليست معالجة للأزمة، وإنما تأجيل للأزمة وتحويل للأموال العامة من بند إلى بند دون معالجة أصل المشكلة.
ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة المرتبات.
ليبيا تحتاج إلى زيادة في قيمة المواطن داخل الدولة.
تحتاج إلى أن يشعر المواطن أن الدولة موجودة من أجله، وأن المال العام يتحول إلى خدمات، وأن الفوارق الوظيفية لها معيار واضح، وأن العلاوات لا تتحول إلى وسيلة للمحاباة، وأن الوظيفة العامة ليست امتيازًا لفئة على حساب فئة.
نريد ليبيا يعيش فيها المواطن، لا ليبيا يحاول المواطن فيها فقط أن ينجو.
نريد ليبيا يفرح فيها الناس، لا أن تصبح أبسط حقوقهم اليومية معركة.
ونريد دولة لا يكون فيها السؤال: «كم زاد راتبي؟» فقط، بل السؤال الأهم:
ماذا تحسن في حياتي؟
فإذا زاد المرتب وبقيت الكهرباء مقطوعة، والماء شحيحًا، والوقود متعثرًا، والأسعار ملتهبة، والأسواق تزداد سوءًا، والفوارق بين المواطنين تتسع…
فعلينا أن نعترف بالحقيقة:
المشكلة ليست في حجم المرتب وحده، وإنما في دولة تحتاج إلى إصلاح شامل يعيد للإنسان الليبي حقه في الحياة الكريمة.
ليبيا ليست فقيرة.
ولكن المواطن هو الذي أصبح يشعر بالفقر في دولة تملك الكثير، بينما لا يصل الكثير إلى حياته اليومية.
نريد دولة للجميع، لا دولة لفئات.
نريد عدالة في المرتبات، وعدالة في الخدمات، وعدالة في الفرص.
نريد ليبيا فوق… لا ليبيا إلى الأسفل.



