
* كتبت/ آلاء عبداللطيف عامر،
هناك أدوية دخلت حياتنا منذ عقود، حتى أصبح وجودها مألوفا إلى درجة أننا لم نعد نتوقف كثيرا عند قصتها.
نصرفها، نستخدمها، نحفظ آلية عملها واستعمالاتها، ونضعها داخل إطار علمي واضح في أذهاننا.
لكن العلم، في أحيان كثيرة، يفاجئنا بأن ما اعتقدناه «معرفة مكتملة» لم يكن سوى جزءا من الصورة.
خذ الميتفورمين مثالًا:
دواء قديم نسبيا، ارتبط في أذهان الملايين بعلاج السكري من النوع الثاني، وأصبح واحدا من أكثر الأدوية استخداما في هذا المجال، ومع مرور السنوات، لم يتوقف البحث العلمي عند وظيفته المعروفة، بل استمر الباحثون في دراسة تأثيراته البيولوجية وآليات عمله، وظهرت اهتمامات بحثية متعددة حول إمكانية الاستفادة منه في مجالات أخرى.
المثير هنا ليس الميتفورمين وحده، المثير هو الفكرة التي يقودنا إليها.
الدواء لم يتغير، الذي تغير هو ما عرفناه عنه، وهذه واحدة من أجمل أفكار العلم.
فالعلم لا يخبرنا دائما بأن الأشياء كانت خاطئة، بل كثيرا ما يخبرنا بأن معرفتنا بها كانت ناقصة.
قد نعرف وظيفة لدواء، ثم نكتشف أن له تأثيرات أخرى لم نكن نراها، وقد نفهم آلية معينة، ثم تكشف لنا الأبحاث أن الصورة أكثر تعقيدا، وقد نستخدم مادة لسنوات، ثم يأتي اكتشاف جديد فيضع أمامنا سؤالا لم يخطر على بال أحد من قبل.
وهنا يبدأ السؤال الأكبر:
إذا كان الإنسان يحتاج عقودا حتى يكتشف جوانب جديدة في مادة دوائية درسها وصنعها واختبرها..
فماذا عن الإنسان نفسه؟
كم شيء في داخلنا لم نكتشفه بعد؟
منذ أن بدأ الإنسان في دراسة جسده، وهو يفتح أبوابا جديدة لم يكن يعرف بوجودها، اكتشف أعضاء ووظائف، ثم اكتشف الخلايا، ثم المستقبلات، ثم الجينات، ثم الشبكات المعقدة التي تربط جهازا بآخر، ثم بدأ يدرك أن الجسم ليس مجموعة أعضاء منفصلة، بل منظومة هائلة من التفاعلات الدقيقة التي يؤثر بعضها في بعض.
وكلما ظن الإنسان أنه اقترب من نهاية الطريق، ظهر سؤال جديد.
لم يكن الجسم البشري يتغير في كل مرة نكتشف فيها شيئا جديدا، نحن الذين كنا نراه لأول مرة.
وهنا ربما تكمن واحدة من أكثر الحقائق تواضعا في العلم:
أن عدم معرفتنا بشيء لا يعني أنه لم يكن موجودا، وأن عدم رؤيتنا لعلاقة معينة لا يعني أنها لم تكن موجودة قبل أن نكتشفها، الشيء قد يكون أمام أعيننا لسنوات، لكننا لا نمتلك الأدوات التي تجعلنا نراه.
وهذا لا ينطبق على الأدوية والجسد فقط.
ينطبق على الإنسان نفسه.
كم من قدرة يمتلكها الإنسان ولم يكتشفها؟
كم من جانب في شخصيته لا يعرف كيف يستخدمه؟
كم من فكرة لم تخطر له بعد؟
وكم من إمكانات كامنة بداخله تحتاج فقط إلى الظروف المناسبة حتى تظهر؟
ربما لهذا تبدو عبارة القرآن الكريم:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
أوسع من مجرد دعوة للنظر إلى الجسد، إنها دعوة إلى التأمل.
أن تنظر إلى هذا الكائن الذي تعيش داخله كل يوم، والذي اعتدت وجوده حتى أصبح مألوفا إلى درجة أنك قد تنسى كم هو استثنائي.
قلب يعمل دون أن تطلب منه ذلك، ورئتان تواصلان عملهما وأنت نائم، وجهاز مناعي يراقب ويستجيب، وخلايا تتجدد، ودماغ يستقبل ملايين الإشارات ويعالجها دون أن نشعر إلا بجزء ضئيل منها.
ومع كل ما وصل إليه العلم، ما زال الإنسان يكتشف نفسه.
وهنا يصبح التشابه بين الدواء والإنسان لافتا.
دواء قديم لم تتغير حقيقته، لكن العلم اكتشف فيه أشياء جديدة، وإنسان قديم قدم وجوده على الأرض، لكنه لا يزال يكتشف نفسه، ولعل أجمل ما في رحلة العلم أنها لا تنتهي بجملة: «عرفنا كل شيء».
بل تبدأ غالبا بجملة أكثر تواضعا:
«لم نكن نعرف هذا من قبل.»
كل اكتشاف جديد لا يضيف معلومة إلى كتبنا فقط، بل يذكرنا بحجم المساحة التي ما زالت مجهولة.
ولهذا، فإن إعادة اكتشاف استخدام جديد لدواء قديم ليست مجرد قصة دوائية مثيرة، بل تذكير بفكرة أكبر بكثير:
أن الأشياء قد تحمل من الأسرار أكثر مما نعتقد، وأن حدود معرفتنا لا تمثل بالضرورة حدود الحقيقة، وربما لهذا السبب، كلما اكتشف الإنسان شيئا جديدا في جسده، أو وظيفة جديدة لدواء قديم، أو علاقة لم يكن يعرفها بين عضو وآخر، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: «ماذا اكتشفنا؟»
بل أيضا:
«كم بقي مما لم نكتشفه بعد؟»
فربما يكون أعظم ما يعلمنا إياه العلم ليس أننا عرفنا الكثير، بل أن يجعلنا ندرك، بتواضع، كم ما زال أمامنا لنعرف.



