
* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،
كثيرًا ما يُقال “نحن ما نأكله”؛ وهي مقولة تختزل حقيقة أن الغذاء الذي نستهلكه لا يبني أجسادنا وعقولنا فحسب، بل يشكّل هويتنا وجودة حياتنا. ولكن، هل نعرف حقًا طبيعة وماهية ما يتسلل إلى أطباقنا؟ وهل نملك الوعي الكافي للتعامل مع المنتجات التي تصل إلى أسواقنا؟ الواقع والمؤشرات في ليبيا يشيان بإجابة صادمة: لسنا على دراية، والوضع بات يهدد سلامة المجتمع في الصميم.
تواجه العديد من المدن والمناطق الليبية تحديات صحية جسيمة ترتبط مباشرة بالأغذية؛ إذ باتت أخبار انتشار الأمراض المنقولة عبر الأطعمة الملوثة، أو منتهية الصلاحية، أو المغشوشة، تتصدر المشهد اليومي. إن تزايد المخاطر الصحية التي يواجهها المواطن الليبي يعود أساسًا إلى تفشي البكتيريا، والفيروسات، والطفيليات، فضلاً عن بقايا المبيدات الحشرية المحظورة دوليًا في المحاصيل. وتتغذى هذه الأزمة على حزمة من العوامل؛ أبرزها تلوث مياه الشرب، والتلوث الكيميائي والبيولوجي، وتدني مستويات النظافة في المنشآت الغذائية والمطاعم، وصولًا إلى غياب المواصفات القياسية في تخزين المواد التموينية.
ومما يفاقم كارثية المشهد البيئي والصحي، تنامي ظاهرة حفر الآبار العشوائية على مقربة من غرف تفتيش شبكات الصرف الصحي (المجاري)، واستغلال مياهها دون إخضاعها لأي تحليل مخبري أو تعقيم، سواء للشرب، أو لتنظيف الأواني، والخضراوات، وإعداد الأطعمة في المطاعم والمطابخ التجارية. ويحدث كل هذا في ظل تراخٍ رقابي واضح من الأجهزة التنفيذية في ضبط استخدام المواد الكيميائية وحماية مصادر المياه. ولعل الفئة الأكثر هشاشة وتضررًا من هذا الانفلات هم الأطفال؛ وتؤكد تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأمراض المنقولة بالغذاء تقف وراء نسب مقلقة من الوفيات والإصابات بين الأطفال في عدة مناطق ليبية. وفي السياق ذاته، تحذر تقارير منظمة الصحة العالمية من أن الغذاء غير الآمن يدخل المجتمعات في حلقة مفرغة من المرض وسوء التغذية، تبدأ من النزلات المعوية والإسهال الحاد، وتصل إلى الأورام السرطانية، مستهدفة الرضع، وكبار السن، والمرضى.
إن السوق الليبية ما زالت تئن تحت وطأة مصانع أغذية غير مرخصة، وشركات توريد وقنوات توزيع عشوائية تسيطر على السلع القابلة للتلف. ويقع هذا القطاع الموازي وغير الرسمي خارج نطاق القدرة التنظيمية المحدودة للحكومة، مما يجعله المسؤول الأول عن غالبية حالات التسمم الحاد والأمراض المزمنة. وقد ساعد على تغذية هذا الانفلات النمو السكاني المتسارع في الحواضر الكبرى، والارتفاع الجنوني في أسعار السلع، مما خلق بيئة خصبة لضعاف النفوس لترويج أغذية ملوثة ومنتهية الصلاحية بأسعار زهيدة مستغلين حاجة المواطن، دون أدنى اكتراث بما تسببه من اضطرابات في النمو وتلف للأعضاء الحيوية للمستهلكين. ويزيد الطين بلة، عرض البضائع والمنتجات الغذائية على أرصفة الشوارع وتحت أشعة الشمس الحارقة دون أدنى مراعاة لظروف الحفظ والتبريد.
الشواهد على هذا العبث كثيرة؛ فقد كشف “مركز الرقابة على الأغذية والأدوية” في ليبيا عن شبكات غش تجاري منظمة تستخدم مستندات وشهادات صحية مزورة لتسويق سلع مغشوشة. ولسنا ببعيدين عن قضية الدقيق منخفض الجودة المعالج بمحسنات محظورة ومسرطنة (مثل برومات البوتاسيوم) التي استخدمها بعض أصحاب المخابز لزيادة حجم العجين وتوفير التكلفة.
يمتد التلاعب أيضًا إلى الغش في نسب السكروز في العسل لتباع المحاليل السكرية للمواطن على أنها عسل طبيعي حر، بالإضافة إلى تزوير العلامات التجارية لمنتجات ومستحضرات مقلدة تُطرح في السوق كأصيلة، وتذويب الدواجن المجمدة مجهولة المصدر وتعبئتها في أكياس محلية لإيهام المستهلك بأنها دجاج مبرد وطازج. إن هذه الممارسات تجاوزت حد الجشع التجاري لتصل إلى المصاف الجرمي المستهدف لحياة الليبيين، ولا يستثنى من ذلك قطاع الدواء، حيث تتدفق أدوية مغشوشة أو منتهية الصلاحية عبر المنافذ، مما يضع جهات الإفراج الجمركي والمختبرات الدوائية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لإخضاع كل شحنة للتحليل الدقيق قبل الإفراج عنها.
ولعل الأرقام الأخيرة الصادرة عن بعض الجهات والمسؤولين، والتي تشير إلى أن نسبة مقلقة قد تصل إلى 65% من بعض المحاصيل الزراعية المتداولة تحتوي على متبقيات مبيدات محظورة ومسرطنة، تدق ناقوس الخطر الأكبر. وهنا يبرز السؤال المشروع: أين هي إجراءات الدولة الرادعة لمنع هذه الجرائم المستمرة منذ سنوات؟ ولماذا لم يتم الضرب بيد من حديد على هؤلاء العابثين بالأمن القومي الصحي من أجل حفنة من الدولارات والأرباح السريعة؟
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق منظومة الدولة بأكملها؛ بدءًا من وزارة الزراعة والثروة الحيوانية، ووزارة البيئة، مرورًا بـ “مركز الرقابة على الأغذية والأدوية”، وجهاز الحرس البلدي، ووزارة الاقتصاد والتجارة، وصولاً إلى البلديات المحلية. يجب تفعيل القوانين الرادعة بصرامة وتغليظ العقوبات لتشمل السجن مددًا طويلة، والغرامات المالية الباهظة، والتشهير العلني بالمخالفين ليكونوا عبرة لغيرهم. كما يتطلب الوضع تكثيف الحملات التفتيشية والمداهمات الفجائية على المطاعم والمقاهي، وإلزام كافة العاملين فيها بإجراء الفحوصات الطبية الدورية الشاملة (مثل كشف الفيروس الثلاثي، والتحليل الخاص بالدرن الرئوي “السل”)، وعدم السماح بممارسة النشاط إلا بشهادات صحية حديثة وموثوقة.
إن حماية صحة المواطن الليبي ليست رفاهية، بل هي الركيزة الأساسية للأمن الوطني. وعلى الدولة أن تتبنى استراتيجية واضحة لدعم الملتزمين بمعايير السلامة ومكافأتهم، وتدريب مشغلي الأسواق والمصانع، ليعود للمستهلك الليبي اطمئنانه وثقته بأن ما يأكله ويقدمه لأطفاله آمن وصحي بنسبة مئة بالمئة.



