الرئيسيةالراي

رأي- رحلة البحث عن مؤسسات الدولة الليبية

* كتب/ حسام حسين الوحيشي،

هل سأكون قاسيًا إذا جزمتُ بعدم وجود مؤسسات في ليبيا؟

ربما.

لكن السؤال سيعود فورًا: كيف لا توجد مؤسسات؟

و الجواب: هناك كيانات تحمل أسماء رسمية: وزارات، وجامعات، ومصارف، وبلديات، وهيئات، وأجهزة. لديها لافتات معتمدة، وأختام، وقرارات، ومبانٍ، وهياكل، ومكاتب، وموظفين.

هذا صحيح، لكنه لا يكفي.

فالمؤسسة ليست اسمًا على الباب، ولا ختمًا في آخر الورقة، ولا مكتبًا متهالكًا أو فخمًا. المؤسسة ترجمة اجتماعية طويلة لفكرة الاستقرار، المؤسسة هي أن توجد قاعدة أقوى من المزاج، وذاكرة أقوى من النسيان، وإجراء لا يموت بمغادرة صاحبه، ومعنى ناصع يجعل العاملين يعرفون أنهم يخدمون مرفقًا عامًا، لا شخصًا جالسًا على كرسي عابر.

بهذا المعنى، أجد نفسي أميل إلى حكم قاسٍ، لكنه ليس عشوائيًا: ليبيا، منذ نشوء دولتها الحديثة بقرار دولي وولادة وطنية مرتبكة، لم تنجح غالبًا في بناء مؤسسات راسخة. بنت أشكالًا كثيرة للدولة، لكنها لم تُنجز دائمًا منطق الدولة. صنعت هياكل، لكنها لم تمنحها الروح الكافية. كتبت قوانين، لكنها لم تجعل القاعدة أعلى من العلاقة. أنشأت إدارات، لكنها تركتها للريح.

ما يوجد في ليبيا ليس عدمًا كاملًا.

ولا أريد أن أظلم الواقع بهذا التبسيط.

توجد سلطة، بل سلط كثيرة في الواقع؛ سلط تستطيع أن تأمر وتمنع وتعيّن وتعطّل وتوزّع وتُقصي. لكنها في كثير من الأحيان سلطة لم تُهذّبها المؤسسة، ولم تُقيّدها المساءلة، ولم تتعلم أن القوة، حين لا تخدم الحق العام، تتحول إلى غلبة.

وتوجد إدارة.

إدارة خام، يومية، مرهقة، غارقة في الملفات والمراسلات والتوقيعات والانتظار. لكنها كثيرًا ما تعمل بلا عقل. يبدأ كل مسؤول كأن البلاد بدأت معه، ويغادر كأن ما فعله لا يلزم أحدًا بعده. في الإدارة الخام لا تموت الأعمال لأنها مستحيلة دائمًا، بل لأنها لا تجد نظامًا يحميها من النسيان، ولا قاعدة تنقلها من يد إلى يد.

وتوجد منظمات.

بعضها ينجح قليلًا، وبعضها يلمع ثم ينطفئ. المنظمة هنا تجمع يعمل لهدف محدد، وقد يملك فريقًا وخطة وموارد، لكنه لا يصير مؤسسة إلا حين يتحول نجاحه من صدفة أو بطولة أو علاقة إلى طريقة قابلة للتكرار. ما يعتمد على شخص واحد يبقى هشًا، مهما كان ذلك الشخص نادرًا. وما ينهار بخروج مديره لم يكن قد صار مؤسسة بعد.

ويوجد أفراد مميزون.

وهؤلاء هم أكثر ما يحزنني أحيانًا. أفراد يشتغلون ضد الطين، ضد العطالة، ضد غياب الأدوات، وضد مزاج الرؤساء. لكن الفرد، مهما كان نزيهًا أو ذكيًا أو شجاعًا، لا يستطيع وحده أن يكون بديلًا عن المؤسسة. الفرد يفتح نافذة، أما المؤسسة فتبني بيتًا له نوافذ عديدة.

وتوجد فرق عمل منجزة.

تجتمع في لحظة نادرة، تفهم المطلوب، تنجز نشاطًا، تنقذ ملفًا، ترتب فوضى، ثم تجد نفسها بلا حماية. لأن الفريق المنجز، إذا لم يتحول عمله إلى إجراء مكتوب، وأرشيف محفوظ ومتاح، ومسؤوليات واضحة، سيبقى شمعة وحيدة في ليل بهيم.

وتوجد شبكات.

وهنا يجب أن نكون دقيقين. ليست كل شبكة شرًا. في بلد ضعفت فيه القواعد، قد تساعد العلاقات أحيانًا على فتح باب مغلق، أو إنقاذ مريض، أو تمرير خدمة عامة عالقة. لكن الشبكة، مهما كانت نافعة في لحظة انسداد، لا تصلح أن تكون بديلًا عن الدولة. حين تصبح العلاقة أقوى من القانون، والواسطة أسرع من الحق، والنفوذ أعلى من الاختصاص، نكون قد استبدلنا المؤسسة بممرات خلفية.

لهذا، حين أقول إن ليبيا لا تملك مؤسسات بالمعنى الكامل، فأنا لا أنكر وجود الكيانات. بل أفرق بين الكيان والمؤسسة. الكيان قد يوجد بقرار، أما المؤسسة فتولد بالتراكم. الكيان قد يملك مقرًا وميزانية وهيكلًا تنظيميا وملاكا وظيفيا، أما المؤسسة فتملك ذهنا وقاعدة ومساءلة واستمرارًا. الكيان قد يعيش على توقيع مسؤول، أما المؤسسة فتعيش لأن وظيفتها صارت أقوى من الأشخاص الذين يمرون عليها.

المشكلة الليبية ليست فقط في غياب الموارد، ولا في نقص القوانين وضعفها، ولا في انسداد الأفق التشريعي، ولا في رداءة الأشخاص وحدهم. المشكلة الأعمق أن كثيرًا مما نسميه مؤسسات لا يزال يعيش في طور “ما قبل المؤسسة”: طور توجد فيه الأسماء قبل المعاني، والهياكل قبل القواعد، والقرارات قبل القدرة، والسلطة قبل الخدمة العامة.

في هذا الطور يصبح الإنجاز ممكنًا، لكنه هش.

والإصلاح ممكنًا، لكنه قابل للابتلاع.

والنجاح ممكنًا، لكنه شخصي أكثر مما ينبغي.

والفشل عادة.

لذلك لا أحتاج إلى التراجع عن يقيني كله، بل إلى صياغته بعدل أكبر.

لن أقول إن ليبيا عدم.

ولن أقول إن كل ما فيها خراب.

هذا كسل فكري، لا شجاعة.

سأقول: ليبيا تملك أشكالًا كثيرة تشبه المؤسسة، لكنها لم ترسخ بعد بما يكفي لتصبح مؤسسات حقيقية. تملك إدارات، لكنها لا تملك دائمًا فهما إداريا. تملك أحيانا قوانين، لكنها لا تجعل القانون دائمًا أعلى من النفوذ. تملك أحيانا أفرادًا جيدين، لكنها تتركهم يحترقون بدل أن تحوّل كفاءتهم إلى نظام. تملك أحيانا فرقًا تنجز، لكنها لا تحفظ إنجازها في قواعد قابلة للتكرار. وتملك شبكات نافعة أحيانًا، لكنها تسمح لها بأن تحتل مكان المؤسسة حين تطول الأزمة.

هذه ليست إدانة للبلد.

إنها محاولة لغوية لإنقاذه من المجاملة.

إذا سمّينا كل مبنى مؤسسة، فلن نسأل لماذا لا يعمل.

وإذا سمّينا كل حكومة دولة، فلن نعرف معنى المرفق العام .

وإذا سمّينا كل توقيع إدارة فلن نؤمن بالتأسيس المؤسسي رغم أن بعضنا يؤمن بالإصلاح المؤسسي ويحفر عميقا في تفاصيله .

ربما تكون القسوة الحقيقية ليست في أن نقول: لا توجد مؤسسات راسخة.

القسوة الحقيقية أن نعرف ذلك، ثم نستمر في تسمية الركام باسم البيت.

ملاحظة: من يجد مؤسسة ليبية واحدة أرجو أن يدعوني لزيارتها لأتخلص من اعتقادي المدون هنا والراسخ جدا مع الشكر الجزيل المسبق له .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى