الرئيسيةالراي

أسئلة المنطق عن أسرار الطبخة السياسية المقبلة

* كتب/ رمضان معيتيق،

 يونيو ليبيا هذا العام بدأ حارا أكثر من عادته، والهرولة حول كراسي السلطة بلغت فيه ذروتها، والمواطن الليبي غارق في خضم منغصاته اليومية وطوابيره اليومية، مشغول عما يعد له في كواليس صناع القرار من “طبخة مصير” لوطنه، ولا يصله من (طواجين) طباخي مطبخنا السياسي إلا الكلام المنمق والوعود الحالمة؛ المقولبة في بيانات تشع وطنية وحرصاً وتفان.

والمتلقي خلال اليومين الماضيين للبيانات والتصريحات الأخيرة التي سبقت ولحقت إحاطة هانا تيتيه -أمام مجلس الأمن في جلسة الخميس 18 يونيو الجاري- سيلاقي التصريحات التي تدعي الحرص على الديمقراطية والسيادة، بينما يصفعه المنطق صفعاً -إن هو تماهى معها- ليطرح عليه الأسئلة الحقيقية المجردة من التجميل، حتى يرى أين تقف مصلحة الوطن والمواطن وسط هذا التزاحم الدولي والمحلي.

أولاً: كواليس الكلمات.. من يملك القرار؟ ومن هنا لنتمعن معاً في المواقف الأخيرة للفرقاء، ألا يخالجكم مثلي هذا السؤال: هل تغيرت العقليات، أم أن المصالح هي من تغيرت؟

قبل يومين خرج علينا رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” بتغريدة يتحدث فيها فجأة عن “تنازلات مؤلمة” وشراكة “تحقق ازدهار بلادنا”، وكل ما اعتصرت ذاكرتي لم أذكر له إلا سنوات من التمسك بشعار: “لا تسليم إلا لحكومة منتخبة”؛ لذلك أليس من حقنا أن نتساءل: ما الذي استجد في توازنات القوة الإقليمية والدولية ليتحول الخطاب فجأة نحو التنازل والشراكة؟ وماذا حل بشرط التسليم لحكومة تأتي بها الانتخابات؟! السياسة حتما تبنى على التفاوض، والتفاوض يبنى على التنازلات، لكن هل نحن هنا نتحدث عن التنازل من أجل بقاء الوطن، أم لضمان بقاء عبدالحميد في مقعده بالسلطة التنفيذية القادمة؟

وحين يعلن حفتر -في بيان يقطر ديمقراطية وقبولاً لآخر- استعداده الكامل للانخراط في مبادرة مستشار ترامب، “مسعد بولس”، ويصفها بالـ “واقعية وفهم الأمر الواقع”؛ فما هو “الأمر الواقع” المقصود هنا؟ هل هو الاعتراف بالصندوق والدستور، أم هو السعي لانتزاع شرعية دولية وصك اعتراف سياسي بغطاء أمريكي، يتجاوز كل العقد القانونية التي عطلت الحلول لسنوات؟ والواقع اليوم أليس هو ذاته واقع الأمس الذي كان يريد له حفتر السحق والمحق وتحريك الأرتال ونصب المنصات واستهداف المدن؟! ما الذي تغير حتى صار يدلل بشراكته ببيانات للملأ؟

وفي المقابل، سابق رؤساء المجالس الثلاثة (عقيلة، تكالة، المنفي) الزمن لإصدار “وثيقة مبادئ” تحدد موعداً للانتخابات في فبراير 2027، ولسانهم يلهج بالدعاء ألا ينغص أحدهم عليهم اتفاقهم هذه المرة حتى يوقعوا بيانهم؛ قبل أن ينعقد جمع مجلس الأمن على إحاطة تيتيه. اجتمعوا على الزووم ونسوا خلافاتهم ورموا أحقادهم وتوافقوا وصاغوا وثيقتهم، وزينوها بابتكار “لجنة سيادية عليا” لإدارة النفط والاستثمار والمصرف المركزي، لكن نسوا أن يخبرونا لماذا تذكروا الموعد والانتخابات والمؤسسات السيادية في هذا التوقيت بالذات؟ هل هو استيقاظ مفاجئ للحس الوطني، أم هي حركة دفاعية غريزية لمؤسسات تخشى أن تطير كراسيها تحت ضربات صفقة أمريكية خاطفة تُطبخ بعيداً عن كواليسهم؟ لماذا وجدنا اتفاقهم اليوم قريبا بعد أن كان بالأمس كبعد المشرق عن المغرب؟!

إذا انتقلنا للمشهد الدولي، تتزايد الأسئلة إلحاحاً: وحتى مع قناعتنا بأن البعثة الأممية برئاسة “هانا تيتيه” من حقها أن تدافع باستبسال عن “الحوار المهيكل” وتوصياته الـ 600، ولكن، أين هي نتائج الورش والحوارات السابقة على أرض الواقع؟ وهل الهدف هو الوصول إلى حل، أم الاستمرار في احتكار “إدارة الأزمة” حمايةً للوظيفة الدولية من التهميش أمام الاندفاعة الأمريكية؟ وهل موقف واشنطن داعم حقا لمسار البعثة كما تقول خارجيتها ومندوبوها بمجلس الأمن؟ أم أن صادق سياستها في ليبيا ما يرسمه صهر ترامب من صفقات يقفز فيها فوق البعثة وفوق مسارها الأممي الطويل.

نشاهد واشنطن تتحرك عبر “مسعد بولس” للتركيز على “توحيد السلطة التنفيذية أولاً” وتجاوز التفاصيل، والبعثة تتحرك لتوحيد الأجسام السيادية عبر انتخابات تشريعية وتنفيذية كما هو مرسوم في خارطة طريقها، فهل تتحرك أمريكا -في قفزها للأمام على ذلك المسار- حباً في الليبيين وتأميناً لرفاهيتهم، أم أن الهاجس الأكبر هو تأمين تدفقات النفط في ظل أزمات الطاقة العالمية، ومحاصرة “الفيلق الروسي” وتجفيف منابعه في الشرق والجنوب؟

لا شك أن العلاقات الدولية قائمة على المصالح، لكن قد لا يكون من المناسب لليبيا تثبيت الوضع السياسي الحالي، ورسم سلطة أمر واقع من المعرقلين الحاليين أو بعضهم، فقط من أجل دافع طرف أجنبي يتجاهل مصالحنا نحن الليبيين.

سأعرج على الموقف الروسي قبل أن أختم مقالي، إذ حذرت القائمة بأعمال مندوب موسكو أمام مجلس الأمن تعقيبا على إحاطة تيتيه وتلويحا بمبادرة بولس: من أن “أي تصور لا يحظى بموافقة القادة المؤثرين سيعمق العنف”، متمسكةً بالشرعية المؤسسية الليبية، وحتما تتفق معي أن هذه ليست غيرة من موسكو على المؤسسات الليبية، وليس موقفا نابعا من احترام السيادة، قد لا نعرف الدوافع بدقة، لكن أجد من المنطقي أن ترى موسكو أنّ هذه البيروقراطية الحالية هي السد المنيع لإفشال أي مشروع أمريكي يسعى لطرد وجودها العسكري والاقتصادي من أفريقيا.

أعتقد أن الإجابات على هذه الأسئلة تقود إلى أن الجميع في الداخل والخارج يتحرك وفق مصالحه فقط، فما هو السيناريو الخفي الذي يتشكل خلف الستار؟ ألا يبدو أننا أمام ملامح تحالف مصلحي عميق؛ وصفقة تقاسم للموارد وإدارة النفط والميزانية بين سلطة المال التنفيذي وسلطة السلاح؟ بحيث يضمن كل طرف بقاءه، وتُترك السيادة الوطنية تُقايَض في سوق القوى الدولية؟

ختاماً، الحقائق لا تكتمل إلا بمساءلة الأطراف التي ارتضت دور المتفرج: الأحزاب السياسية الحاضرة الغائبة: إذا لم يكن لكم صوت أو حراك حقيقي كأجسام وطنية في هذه اللحظات المفصلية، فمتى تظهرون؟ وهل تحولت الأحزاب إلى مجرد دكاكين؟ تفتح فقط حسب الموسم عند توزيع غنائم السلطة والمحاصصة؟ منظمات المجتمع المدني والنخبة: أين ذهبت الشعارات الرنانة وورش العمل التي تُملأ بها الفنادق؟ وهل تحول المجتمع المدني إلى كيانات تتحرك فقط بإشارات المانحين؟ وكيف تحولت النخبة التي يُفترض أن تقود الوعي، إلى مرآة للنكبة تحترف تبرير التنازلات وتسويق الأوهام للناس؟ الصحافة والإعلام: حين يتحول الإعلام من سلطة رابعة تكشف وتفضح، إلى منابر لتلميع المتشبثين بالسلطة وإلهاء الشعب بمعارك جانبية (لا تسمن ولا تغني من جوع)؛ ألا يحق لنا أن نتساءل: لما صارت الصحافة “سخافة”، والإعلام أداة استغفال ممنهجة؟!

يا ابن هذا الوطن، الغائب طواعية من نفسك، وأيضاً المغيّب قسراً وسط هذه الدوامة: حان الوقت لتجيب بنفسك، فحين تضّيق عليك معيشتك عند تطاحنهم، ثم تختفي فجأة لغة البنادق، لتتحول إلى لغة التنازلات المشتركة، وتقاسم للسلطة والنفط والميزانية خلف الأبواب المغلقة؛ هل تعتقد أنهم يبنون لك دولة القانون والعدالة، أم يثبتون كراسيهم على حساب مستقبل أبنائك وأحفادك؟ إذا كان الجميع يتحرك لمصلحته، والبلاد تُعرض رخيصة في سوق الصفقات الدولية، فمن يملك حق التغيير إن لم يستفق الشعب الليبي وقواه الحية ليكونوا هم الرقم الصعب والوحيد في هذه المعادلة؟ الإجابة تملكها أنت، وأنت كذلك غدا من سيدفع الثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى