
* كتب/ إبراهيم قرادة،
في ظل تعقيدات المشهد الليبي وتداخل العوامل الداخلية والخارجية، يطفو على السطح تسرب “خبر” ما قد يُعرف بـ”مشروع بولس” بوصفه محاولة لإعادة ترتيب السلطة ومواردها، لا عبر إنهاء الانقسام الحكومي فحسب، بل عبر تشبيك السلطتين القائمتين شرقًا وغربًا. وبين الرهانات والشكوك، وبين المؤقت والمستديم، يقف هذا المشروع عند مفترق طرق حاسم: إما أن يكون مدخلًا لتسوية سياسية، أو بوابة لمرحلة أكثر تعقيدًا.

ولهذا فمن المفيد النظر إلى مشروع بولس من زاوية نظرية الألعاب (Game Theory)بوصفها إطارًا تحليليًا يساعد على فهم سلوك الفاعلين السياسيين عند اتخاذ قراراتهم الاستراتيجية في بيئة تشاركية مع أطراف أخرى، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه. ففي هذا السياق، تتراوح النتائج بين معادلة صفرية (Zero-Sum) يكون فيها طرف رابح وآخر خاسر، أو حالة ربح متبادل (Win-Win)، أو خسارة جماعية (Lose-Lose) قد تنشأ بفعل الجهل أو الأنانية أو سوء التقدير أو التربص؛ وهو ما يُفضي في كثير من الأحيان إلى ما يُعرف بمعضلة التعاون (The Cooperation Dilemma)، مع غموض وضع الشعب ودولته في هذه المعضلة.
- السياق التاريخي والمقارنة بمشروع بيفن سفورزا
مشروع بولس يذكّر بمشروع بيفن سفورزا عام 1949، الذي حاول وضع ليبيا تحت الوصاية الثلاثية (البريطانية، الإيطالية، الفرنسية). غير أن الفرق الأساسي يكمن في أن مشروع بولس يسعى إلى توحيد السلطتين الواقعيتين المتنازعتين على الجغرافية الليبية، لا إلى توحيد الأقاليم التاريخية الثلاث في ليبيا المستقلة، أو إعادة إنتاج معادلة تقاسم الحكم كما حدث منذ عام 2011.
بينما كان مشروع بيفن سفورزا يهدف إلى فرض الوصاية على الأقاليم الثلاثة، يسعى مشروع بولس إلى توحيد السلطتين الغربية التكتلية والشرقية المنضبطة في إطار سلطة موحدة، ومتشاطرة في الوقت ذاته. هذه المهمة أعقد من مجرد جلسات كواليس، لأنها أكبر من مجرد تشارك السلطة بين غريمين متفاهمين وفق معادلات ونسب تحاصص، خصوصًا بعد ترسّخ “نظامين” مختلفين سياسيًا وإداريا وأمنيًا واجتماعيًا على مدى عشر سنوات، مع توازنات حساسة في الغرب وقيادة عامة قوية في الشرق.
وقد فشل مشروع بيفن سفورزا بفعل التعقيدات الدولية، والرفض الشعبي، والإصرار على الاستقلال ضمن توافق ليبي قاده السنوسي والسعداوي نحو فيدرالية ثلاثية مستقلة.
- ثنائية السلطة في مشروع بولس
يرتكز مشروع بولس على ثنائية واضحة: القيادة العامة (المشير حفتر) في الشرق، وحكومة السيد الدبيبة في الغرب، مع غياب تمثيل للمنطقة الجنوبية التي كان يمثلها عند الاستقلال السيد سيف النصر. كما غاب تمثيل التركيبات السياسية والمجتمعية، ما يجعل المشروع حتى الآن اتفاقًا فوقيًا أقرب إلى نادٍ مغلق.
- التحديات الخارجية
مشروع بولس، بصفة السيد مسعد بولس مبعوثًا للرئيس الأمريكي، يعكس إرادة إدارة الرئيس ترامب -الدولة الأقوى عالميا- الذي عُرف عنه التركيز على العوائد الاقتصادية والأمنية والحسابات الاستراتيجية ضمن إطار براغماتي جليّ في نظام دولي جديد يتشكل.
وفي ظل السوق النفطي الدولي المضطرب بسبب الصراع في “خليج الطاقة” وتزايد اهمية النفط الليبي؛ يبدو أن المشروع يحظى بفرص تطبيق، مدعومًا بالبراغماتية الأمريكية الراهنة، الموصوفة باهتمامها بالروابط الاجتماعية والأسرية بين مهندسي المشروع، وربما في تكرار للنموذج الفنزويلي.
غير أن ذلك يبقى مرهونًا بما ستكشفه الأيام، في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بالتعامل مع إيران، وانعكاسات مآلاتها على موازين الرابحين والخاسرين في المنطقة، فضلًا عن تأثيرها على توجهات الداخل الأمريكي السياسية والمؤسساتية والشعبية، واحتمالات انفلاتها؛ وهو ما يستدعي قراءة متأنية وتجنب التعجل في إصدار الأحكام واتخاذ المواقف.
مع ذلك، يظل نجاح المشروع مرهونًا بمواقف الدول الأوروبية (إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، خشية استبعادها من المشهد الليبي اقتصاديًا وجيوسياسيًا، بما يشمل أمن المتوسط والهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
كما تمثل دول الجوار (مصر، تونس، الجزائر) ومعها تركيا تحديًا محتملًا بسبب توجسها من النفوذ الأمريكي القريب منها، إلى جانب الموقف الروسي الذي قد يرى في المشروع منافسًا أو تهديدًا لمصالحه ومراهنته في ليبيا. ويُضاف إلى ذلك تقلص الاهتمام المرحلي لدول الخليج المنشغلة بتداعيات الحرب مع إيران، وما يفرضه ذلك من إعادة ترتيب أولويات أجندتها الخارجية.
كل ذلك يجعل أثر العامل الخارجي محفوفًا بالمخاطر، وقد يضاعف من هشاشة الدولة الليبية المصابة بداء التدخلات الخارجية السلبية. بجانب أن طرفي المشروع قد يقامران بعلاقاتهما الخاصة مع بعض حلفائهما الخارجيين.
وهنا يحسن استحضار النموذج السوداني الراهن، الذي ابتدأ بتقاسم ثنائي، ثم انقلب بعد “شهر عسل” قصير إلى حرب أهلية ضروس لم يعرفها السودان خلال تاريخه الحديث.
- التحديات الداخلية
داخليًا، تمرير مشروع بولس يحتاج إلى صياغة دقيقة، نظريًا وإجرائيًا وبروتوكوليًا وشكليًا، عبر إجازة المجلسين التشريعيين (النواب والدولة) ومعهما المجلس الرئاسي، أو الدعوة إلى لجنة حوار، أو الإعلان عن مجلس تأسيسي، أو فرض الأمر الواقع، بقبول ومباركة أممية، مع بقاء استعصاء المؤسسات السيادية المنقسمة من وزارات وجيش وشرطة وإفتاء وقضاء…
كما يتطلب التطبيق العملي التمهيد بسردية مقنعة وخطابًا تسويقيًا قادرًا على تأمين حد أدنى من التقبل الشعبي، وهو ما يمكن لطرفي المشروع العمل على تحشيده عبر أذرعهما الإعلامية والمسارات الاجتماعية الموجَّهة، إلا أنه سيصطدم برفض شعبي متنوع غير مقدّر بدقة. بعض هذا الرفض يمكن احتواؤه، غير أن جزءًا منه سيظل تحديًا كبيرًا يصعب تقديره أو السيطرة عليه، وقد تدفع أطراف ثمنه لكونها أكثر عرضة للانكشاف والانشطار والتَّهَشُّش.
وهو تحدٍّ واقعي في ظل سطوة ثنائية دبلوماسية الإكراه ودبلوماسية الصفقات، في بيئة خبرت إرثهما المرير لدى النخب والعموم.
- التأثير على خارطة الطريق الأممية
يمس مشروع بولس الجهود المبذولة لرسم خارطة طريق أممية تشرف عليها البعثة الأممية المكلفة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتي تسعى إلى طيّ صفحة المراحل الانتقالية عبر حكومة جديدة ترعى الانتخابات الموعودة.
وقد يؤدي تمرير المشروع إلى إطالة المرحلة الانتقالية، بما يفضي إلى تمديد الأزمة الليبية وتطبيعها، وتحويلها إلى حالة مزمنة ومتكلسة.
- التوقيت
يطرح توقيت خروج مشروع بولس إلى التداول، في ظل الاهتزازات الجيوسياسية الإقليمية الساخنة، وعدم إتمام السلطات لترتيبات “البيت الداخلي” الليبي، تساؤلات جوهرية: هل هو بالونة اختبار من مهندسيه، أم فقاعة إعلامية من مسرّبيه؟
أم أن خروجه إلى العلن كان متعمدًا لاستغلال انشغال الأطراف الدولية والإقليمية بالتوترات الدائرة في الخليج، واستنزافها وإنهاكها وتحوطها؟
- خطورة المشروع وإخفاقه المحتمل
تكمن خطورة مشروع بولس في أنه، حتى الآن، لا يعدو كونه عنوانًا لغلاف كتاب معروف مؤلفه، ولكنه بلا فهرس أو تفاصيل أو دار نشر، في ظل غياب الحوار السياسي المجتمعي الضروري حوله من قبل الفاعلين والمكونات المجتمعية، وبعضها لن يرضى بذلك، بعد جسيم الانخراط في العمل السياسي والميداني.
وقد يؤدي إخفاق المشروع إلى مزيد من اهتزاز الموثوقية بين الأطراف فيما بينها ومع محيطها، وتصاعد التوتر الليبي-الليبي، وتعقيد إدارة الأزمة والتحكم في مساراتها.
- الانتكاس إلى الصراع والفوضى
في حال فشل أو تعثر مشروع بولس، أو عجزه عن تحقيق حد أدنى من التنفيذ او تحقيق القبول الشعبي والسياسي، تظل ليبيا عرضة للانتكاس إلى الصراع والفوضى. فالانقسامات بين الشرق والغرب، وغياب تمثيل الجنوب والمكونات السياسية والكتل المجتمعية، قد تعمّق التوترات وتعيد البلاد إلى دوامة النزاع المسلح والتفكك الإداري.
كما أن الممانعات الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، قد تزيد من تعقيد المشهد، وتحوّل أي إخفاق إلى صراع مفتوح على النفوذ والموارد، وفي مقدمتها النفط والموانئ والمواقع الاستراتيجية، بما قد يفضي إلى امتدادات ملتهبة تتجاوز الحدود، خاصة في ظل التفاعل مع بيئة الساحل الأفريقي.
- خاتمة
تظل التفاعلات الداخلية الليبية المؤثرة في انتظار التبني الأمريكي الرسمي، المعلن أو المرتقب، سواء من الإدارة الأمريكية أو وزارة خارجيتها.
وقد حوّل تسرب خبر المشروع المسألة من مجرد تكهنات وشائعات إلى قضية سياسية ساخنة، تستدعي متابعة دقيقة لتكتيكات أطرافها من الفاعلين السياسيين المحليين. ومن ذلك، احتمال تشكل أصوات وتيارات معارضة ضد المشروع.
- في المحصلة، لا يقف مشروع بولس عند كونه مجرد مبادرة سياسية عابرة بتركيبة أمريكية-ليبية (أو خلطة أمريكية بنكهة ليبية)، بل هو مفترق طرق حاسم:
إما أن يكون مدخلًا لإعادة توحيد آليات السلطة في ليبيا إذا ما راعى وتضمّن معايير داخلية، أو شرارة لإعادة إنتاج الأزمة بشكل أكثر تعقيدًا إذا ما تم الاعتقاد بإمكانية فرضه دون توافق.
وبين هذا وذاك، يظل العامل الليبي الداخلي—وعيًا وإرادةً ومسؤوليةً—هو الفيصل الحقيقي، حتى وإن تأخر، إذ لا يمكن لأي مشروع، مهما بلغت أدواته، أن يصمد في غياب توافق وطني يؤسس لدولة حاضنة وضامنة ومستقرة، لا لتوازنات هشة ومؤقتة قابلة للانفجار.
وهذا ما أبانته التفاعلات الأولية الحادة والمتحفزة عند انتشار الخبر، الذي أعاد إلى الأذهان تفاهمات مستعجلة سابقة، مثل مشروعي أبوظبي وموسكو، والتي تطورت إلى أشرس الحروب الأهلية الليبية، ولا تزال جروحها نازفة ومحتقنة.
- المطلوب
المنتظر أن يتقدم السيد بولس بتوضيح حول مشروعه ومساعيه، وبالمثل—بل والأوجب— أن يتقدم طرفا المشروع الليبيان، الدبيبة وحفتر، بتوضيح مستحق للشعب الليبي المقيم في ليبيا، وتحديدا “حق” الانتخابات المستحقة وتعهد بموعدها عبر حكومة واحدة جديدة ومجددة، لأنها هي صك الشرعية وسند المشروعية.
“مشروع بولس” اختبار لوعي الليبيين، لا لتكرار مآسيهم، وبهذا “سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ غافلاٍ.. وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ”



