الرئيسيةالراي

رأي- هل نترك الدلاع يعوم في البحر؟

* كتب/ مفيد أبومديس،

في أحد أيام الصيف الليبي الثقيلة بحرّها وخفتها ذهبنا للتنزه عند البحر..

أخذنا معنا دلاعة كما نسميها نحن أو البطيخة بلغة نشرات الأخبار والبرامج الرسمية،

وضعناها بين صخور البحر، يلطشها الموج حتى تبرد ويحلو مذاقها، وتركنا أنفسنا للضحك والسباحة والهروب المؤقت من أخبار البلاد التي صارت أثقل من حرارة أغسطس.

وبعد أن تأخرنا في البحر صاحت الوالدة من بعيد: جيبوا الدلاعة بتخلوها تعوم في البحر؟

لحظتها توقفت، الجملة لم تكن جديدة على أذني، سمعتها من قبل لكن ليس عند البحر، بل في إحدى القنوات الليبية على لسان أحد النشّاط والمحللين الذين صاروا يظهرون أكثر من نشرات الطقس، يشرحون لنا الوطنية حسب اتجاه الريح ويقيسون الحقيقة بمقدار التصفيق والتمويل.

ومن يومها وأنا أفكر، هل فعلًا تركنا الدلاع يعوم في البحر؟

في ليبيا اليوم لم يعد الأمر مجرد فوضى سياسية أو اختلاف وجهات نظر، نحن أمام حالة فقدان ذاكرة جماعية مقصودة يتم فيها تلميع الوجوه نفسها التي كانت بالأمس رمزًا للرعب والفساد والشنق والقمع، ثم تُقدَّم اليوم في حفلات التكريم وكأنها شخصيات وطنية عظيمة لم تخطئ يومًا.

المشهد مستفز حد القهر، أناس بكت منهم بيوت وامتلأت بسببهم السجون والمقابر يتحولون فجأة إلى قامات وطنية، وتُلقى فيهم قصائد المديح، بينما الضحايا الحقيقيون يشاهدون المشهد بصمت يشبه الاختناق.

لا أحد يقول إن التاريخ يجب أن يُمحى، لكن أيضًا لا يمكن أن يتحول الجلاد إلى ضيف شرف فقط لأن البلاد تعبت من العدالة وصارت تبحث عن أي شيء يشبه الاستقرار ولو فوق جراح الناس.

المؤلم أن البعض لا يكتفي بالتكريم بل يطالبك أن تصفق أيضًا، وأن تعتبر اعتراضك نوعًا من الحقد أو عدم النضج السياسي، وكأن احترام دموع الضحايا صار تهمة.

في ليبيا الأشياء لم تعد توضع في أماكنها الصحيحة، أصبح الفاسد خبير دولة، والانتهازي محللًا استراتيجيًا وصاحب الصوت العالي رمزًا وطنيًا.. أما المواطن البسيط فصار مثل ذلك الطفل الذي يركض على الشاطئ خلف دلاعته خائفًا أن يأخذها البحر وتضيع.

لكن الفرق أن دلاعتنا اليوم ليست فاكهة، بل وطن كامل..

والمشكلة ليست فقط في الذين رموا الدلاع في البحر، بل في الذين وقفوا على الشاطئ يتفرجون، ثم أقنعوا أنفسهم أن الأمر عادي، وأن الموج ربما يعرف أكثر منهم.

ليبيا اليوم لا تحتاج حفلات تلميع ولا إعادة تدوير للوجوه التي أرهقت الناس، تحتاج فقط شيئًا بسيطًا جدًا، قليلًا من احترام ذاكرة الليبيين؛ لأن الأمم التي تكرّم جلاديها أمام ضحاياهم تشبه تمامًا من يترك الدلاع يعوم في البحر، ثم يغضب عندما لا يجد شيئًا يأكله عند الغروب.

سامحنا أيها المحلل السياسي لقد ضحكنا على وصفك للدلاع  كثيرا يومها، وتبينا لنا اليوم ان الضحك علينا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى