الرئيسيةالراي

هل دفعت عائلة القذافي ثمن الحكم والسلطة غاليا..؟

* كتب/ خالد الجربوعي،

العبرة بالخواتيم والأعمال بنهايتها..

بعد حكم وسيطرة على البلاد والعباد ببشرها وحجرها، والتحكم فيها لمدة أكثر من أربعة عقود من الزمن، تمتعت العائلة فيها بكل الامتيازات وتصرفت في كل ثروات البلاد دون رقيب أو حسيب، كانت النهاية كارثية مأساوية بكل معنى الكلمة، فقدت خلالها العائلة الأب وأربعة من الأبناء قتلا وموتا، حربا وغدرا، فيما سجن آخرون داخل البلاد وخارجها لسنوات طويلة.. فهل دفعت عائلة القذافي الثمن غاليا مقابل ما كان لها من سلطة وحكم؟ أم أن الأمر غير ذلك تماما، وتبقى السلطة والحكم فوق كل وثمن وقبل كل حياة؟

وصل القذافي إلى السلطة وجلس على كرسي الحكم في عمر مبكر لم يتجاوز ال27 عاما، عبر انقلاب عسكري غيّر حكم البلاد وأسقط ملكها وكل سلطتها ودولتها، كان شابا يافعا يملأه الحماس والرغبة في السيطرة على البلاد بكل قوة، فعمل على إبعاد جل من شاركه انقلابه وأصبح الكثير منهم من ألذ خصومه وأعدائه لرفضهم طريقة حكمه وانفراده بالقرار والسيطرة، المهم كان له ما أراد بطريقة أو بأخرى، وأصبح هو السيد والحاكم المطلق والوحيد، لا يشاركه أحد إلا من يستعين بهم لتثبيت حكمه وتنفيذ توجيهاته ورغباته، وحتى هرطقاته التي لا تنتهي..

ثم كان الزواج الأول له، والذي أنجب من ورائه ابنه البكر الأول، وانتهى بالطلاق سريعا، ليكون زواجه الثاني الذي منحه عدد 6 أبناء وابنة واحدة، عاشوا في كنفه وتحت رعايته، متمتعين بثروات البلاد وأموالها دون رقيب أو حسيب، منذ الطفولة حتى عمر الشباب، حيث جاء عليهم الدور للتمتع بالسلطة والحكم والسيطرة المباشرة على مؤسسات الدولة وأصحابها، عبر عديد المواقع والمسؤوليات المختلفة، عسكرية ومدنية، رياضية واقتصادية، مالية وحتى سياسية، وغيرها بشكل مباشر أو غير مباشر.. فتم منحهم كل ما يريدون من سلطة ومكانة، فقط لأنهم أبناء القائد والصقر الأوحد والزعيم الذي لا يشق له غبار، فتحكموا في عديد المؤسسات وأصبحت لهم كلمة في كل ما يتعلق بالشأن العام وأمر البلاد، فالأموال تحت تصرفهم والسلطة بأياديهم، والكل ممن يبيعون أنفسهم ويبحثون عن المصالح الخاصة يبيعون لهم أنفسهم ويضعونها تحت تصرفهم لكي يكون لهم مكان بقربهم، لعله ينالهم بعض من مكاسبهم، بل أصبح الاقتراب منهم لدى الكثيرين مكسبا وغاية يسعي إليها بأي ثمن.

واستمر الحال على هذا المنوال، الأب يسيطر على كل البلاد ويحولها إلى مزرعته الخاصة، والأبناء يفعلون ما يحلو لهم في مزرعتهم بالبلاد والعباد، دون خشية أو خوف أو تردد أو أي حسابات أخرى قد تنهي يوما سلطتهم وتخرجهم من المشهد، فهذا الأمر كان آخر ما يمكن أن يفكر به أحدهم أو حتى أكبر أعدائهم.. لكن مقادير الله غير كل مقادير ورغبات البشر، لتأتي ساعة الحقيقة التي وضعتهم فيما لم يكن له حسبان، ولا في عقولهم مكان، فتحولت السلطة والنعمة إلى ورطة ونقمة جعلتهم يدفعون ثمنا غاليا لا يمكن تقديره بأي ثمن، ولا حتى بالأربعة عقود التي سيطر فيها والدهم على البلاد والعباد كاملة، وشاركوه بعضا من عقودها في نهايتها، لتصبح حياة أكثرهم هي الثمن، فيذهب بعضهم إلى قبورهم بصورة دراماتيكية لا يمكن أن يتصورها أي فنان أو يكتبها كاتب، أو تجدها في كتاب أو يتخيلها خيال بشر، لتكون البداية بالأبناء واحدا بعد الآخر، وتصل إلى الأب وأحد الأبناء معا، وتنتهي بأكبر الأبناء من الزوجة الثانية، ومن رشح يوما ليكون الخليفة والوريث الأول ولو لفترة من الزمن.. دون أن ننسى معاناة السجون لبعضهم داخل البلاد أو خارجها، أو النفي والنزوح لبقية أفراد الأسرة، فهو أمر لا يمكن إلا أن يوضع في خانة المعاناة والمأساة مهما كانت ظروف الإقامة خارج البلاد التي حكموها، وأصبحت ملكا لهم يوما دون غيرهم.. لتقدم العائلة مثالا وعبرة للآخرين للاتعاظ أو أخذ الحكمة مما حدث لهم، وهنا نذكر الأحداث لا شماته ولا طعنا ولا غيره، بل تاريخا وأحداثا، وكيف يدور الزمن ويتغير الحال، ليكشف أنه لا أمان له ولا ثقة في نهايته، ففقدان أربعة أبناء قتلا وغدرا، أكثر ألما وثمنا من حكم أربعة عقود، مهما كانت أهميتها وقيمتها.. فنهاية بهكذا شكل تجعل الثمن خاصة للأم والزوجة المكلومة أقوى بكثير من كرسي السلطة الذي جلست عليه طويلا.

ومثل هكذا ثمن يمكن أن يجعل من الكرسي رخيصا أمامه، أم أنه بالنسبة لمن تعود عليه وعاش جل عمره يتحكم يبقى دائما الكرسي بالنسبة له أغلى وأهم من كل الأسرة والأبناء والعائلة لتبقى السلطة فوق الجميع..

صحيح أن التاريخ يحفل بحكام قضوا نحبهم قتلا واغتيالا بعد السلطة، أو دفع أبناؤهم الثمن موتا أو فرارا وسجنا، لكن لا أعتقد أن هناك من دفع كل هذا الثمن الشامل للموت والسجن والنزوح من البلاد كما دفعت عائلة القذافي.. فما دفع من ثمن لا مثيل له على الأقل في العصر الحديث، فهل يمكن أن يكون هذا الثمن كافيا وجزاء لما فعله القذافي طيلة فترة حكمه بالبلاد والعباد، ويشفي صدور خصومه وأعدائه ومن تعرضوا لكل أنواع العقاب خلال فترة حكمه، وينسيهم تلك الأفعال ويخرجهم من دائرة الشماتة والتشفي والمطالبة بمزيد الثمن والعقوبة لمن تبقى من عائلته، أم أن الأمر مازال لم يصل إلى تلك المرحلة من السلام والختام؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى