
*كتب/ عمران اشتيوي،
لستُ من مرابطي الملاعب، ولا من حراس الشاشات الخضراء، لكن للمونديال سطوة تتسلل إليك شِئت أم أبيت. في مقهى جراند، الرابض في الشارع المفضي إلى شارع طرابلس، (والذي نصرّ جميعاً على تسميته بشارع مالطا) وجدتُ نفسي متورطاً في طقسٍ اجتماعي لا فكاك منه.
كانت الشاشة تذيع مباراة المغرب وهايتي، والأجواء مشحونة بصخبٍ عارم. الغريب لم يكن الحماس بذاته، بل تلك الروح التي تلبّست الحضور؛ كانوا يتابعون أسود الأطلس بقلوبٍ واجفة وأعصابٍ مشدودة، وكأنهم يتابعون المنتخب الليبي في ملحمة مصيرية! (لعل ذلك التمني المؤجل يحدث في المونديال القادم، ما علينا.. دعونا في فيض المشاعر الراهن).

تأرجحت المباراة كبندول قلق، وبلغ الغضب ذروته في المقهى حين أطلق ويلسون إيزيدور تسديدة صاروخية مزقت الشباك المغربية، فاهتزت معها كراسي جراند وتصاعدت صيحات الاستهجان والأسى، كأن قذيفته استقرت في مرمى أحلامنا نحن. لكن السحر الكروي لا يخذل العشاق دائماً، إذ سرعان ما استعاد المغاربة زمام المبادرة، لتدور الأرض دورة كاملة وتنتهي المواجهة بنتيجة (4 – 2) لصالح المغرب.
عند صافرة النهاية، انفجرت (تريبونة) المقهى بزلزال من الفرح. ورغم حيادي الرياضي المعتاد، تملكتني سعادة غامرة وعفوية جرفتني مع صياح الحاضرين وعناقهم الرمزي.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن كرة القدم في بلادنا ليست مجرد تسعين دقيقة من الركض، بل هي نافذة نطل منها على ذواتنا؛ نغضب فيها لننسى هموم الواقع، ونفرح بها لنسترد طفولتنا المفقودة. لقد تحول مقهى جراند البسيط إلى جغرافيا بديلة، تلاشت فيها الحدود بين الرباط وطرابلس، لتؤكد لنا الساحرة المستديرة مجدداً: إننا لا نبحث في الشاشة عن فوزٍ كروي فحسب، بل عن نصرٍ إنساني يجمعنا، ولو لليلة واحدة، على رصيف الفرح المشترك.



