الرئيسيةالراي

رأي- ماضي الكهول ومستقبل الشباب

* كتب/ هشام الشلوي،

لكهولنا أمراضهم الخاصة، ولشبابنا كفل من ذلك، ولا أقصد بالكهول طبقة المفكرين أو العلماء، فلهؤلاء شأن خاص، بل أقصد صوت الحكمة والعقل، أولئك الذين يسيرون دفة الحياة ويوازنون بين مصاعبها، أولئك الذين يساعدون الشباب على تجاوز المحن وينقلون لهم تجربة السنين.

وقد ذكرت في منشور سابق أن أولئك الكهول أضحوا يميلون رويدا رويدا إلى استجلاب قصص الماضي، وتحولوا إلى قصاصين يروون أيامهم العبقة ويغضون الطرف عما كان فيها من مصائب وإحن، أي أنهم يحجبون بأيديهم أولا وبعقولهم وقلوبهم ثانيا نصف الحقيقة، لذا لما نستمع إليهم ننظر إلى ماضيهم برهبة وقداسة، وكأن شخوص زمنهم كانوا أساطير وأبطالا، كأولئك الذين قرأنا عنها عند اليونان، أولئك الذين استقروا في جبال الأولمب، خذ مثلا لما أدعيه، عندما يحدثنا الكهول عن الآباء المؤسسين يحاولون تصويرهم وكأنهم بشر فوق البشر، قريب من الأولياء والأنبياء، قريب من الصالحين الذين لا يخدش يومهم نزق أو فسوق أو سرقة ونهب للمال العام، مما يخلق تصورا في ذهن السامع يوجب الانحناء برأسه كلما مر بأذنه أو طاف بذهنه سيرة الآباء المؤسسين، لكنك إذا طرحت تلك القصص والحكايا خلف ظهرك واستكددت عقلك شيئا قليلا، وبحثت خلف تلك الروايات لعثرت على شي آخر مختلف، أي عثرت على التاريخ الحقيقي لهؤلاء، بما فيه من إنسانية وبشرية تغوص بك حينا في الوحل وترتفع بك حينا آخر إلى عنان السماء.

أما شبابنا، فقد صرفوا النظر عن تلك الحكايات، لأنهم اليوم مرهقون ومتعبون ومكدودون، يطلبون ما لا طاقة لهم به، يحلمون وهم أيقاظ، ذهلتهم صور الثراء والغنى وقصص ومشاهد الترف الذي وصل إليه سفلة القوم، يعيش أغلب شبابنا على هامش الصور وينغمسون في ترف ذهني لن يصلوا إليه يوما، كسالى لا يرغبون في النهوض بأي عمل، اللهم إلا تلك الأعمال التي تجلب الملايين، قواهم خائرة وأرواحهم هزيلة وضمائرهم منكسة وفطرتهم معوجة، يحيون في مساحة لا هي في الحياة ولا هي في الموت، دائما ما يشكون ويندبون حظهم، يزعجهم الصيف بحره والشتاء بقرّه، يكاد أحدهم أن يبكي لو نزلت من جبينه نقطة عرق، ويهرول مسرعا ليتجمل في داره، يتذمر أحدهم إذا ما استيقظ باكرا، ويزمجر إذا ما دعاه داع للنوم مبكرا.

فكيف لشعب أو أمة كهولها غارقون في أحلام قديمة، وشبابها يتطلعون لقادم لن يأتي، فطبقة الشباب تلك ترى أن مجرد تطلعها يوجب على الأمة والدولة الرضوخ لها وتنفيذها. بس خلاص.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى