
* كتب/ خالد الجربوعي،
39 يوما، بالأحرى ليلة، عشناها بكل تفاصيلها وساعاتها مساء وليلا وفجرا وحتى صباحا، انقلبت فيها الحياة ومسارها مع فعاليات أكبر البطولات الكروية، لم نفوت فيها إلا القليل لأسباب منها ما هو خاص ومنها ما فرض علينا، وكان خارج إرادتنا، وكان من ورائها انقطاع الكهرباء أو إقامة بعض المباريات في نفس الوقت.
39 ليلة تابعنا خلالها 104 مباراة في كرة القدم العالمية، بين 48 منتخبا من كل قارات العالم، تغيرت فيها المعيشة اليومية وطبيعتها فأصبح الليل للاستيقاظ والسهر والمتابعة، والنهار وخاصة الصباح للنوم والخمول وتعويض ما فات.
104 مباراة كانت حصيلة مونديال بصورة جديدة، وعدد أكبر من المنتخبات المشاركة، ومباريات أكثر، وهو ما يحدث لأول مرة، وتنظيم مشترك لثلاث دول.
39 يوما عشنا فيها الفرحة لفوز منتخب والحسرة على خسارة آخر، تنهدنا لضياع فرصة، وانتكسنا لتسجيل هدف، وصرخنا مع هدف آخر فرحة ونشوة.
شاهدنا المتعة.. شاهدنا الخيبة.. شاهدنا مشاهد الفرح والحزن وتفاعلنا معها.. شاهدنا البكاء ودموع الفرحة.. شاهدنا دموع الحزن والألم.. شاهدنا الأطفال من الرضع وحديثي الولادة، حتى الشباب وبداية المراهقة وهم يشجعون، يصرخون، يضحكون أحيانا ويبكون أخرى، حسب سير المباريات ونتائجها وأهدافها وفرصها الضائعة.. شاهدنا الكبار رجالا ونساء وهم يتفاعلون مع كل مباراة وكل كرة وكل هجمة وكل فرصة ضائعة، أو هدف يسجل أو مباراة تنتهي حسب النتيجة والهوى، فإن كانت في الصالح كانت الفرحة والغناء، وإن كانت عكس ذلك كان الحزن والصراخ والبكاء..
شاهدنا تنوع الشعوب واختلافها شكلا ولونا ولغة وعمرا، شاهدنا حماس رجالها وجمال نسائها وتشجيع أطفالها.. شاهدنا تقاليد وإرث الآباء والأجداد، لباسا وغناء وحركات وأفعالا، تعبر عن الدول وتاريخها ماضيها وحاضرها.
شاهدنا منتخبات تتألق وتبدع وتنال الإعجاب رغم قلة خبرتها وأولى مشاركاتها، فتحرج الكبار وتحقق المحال وتقدم أفضل المستويات، وتبذل الجهد والعرق لتقديم أفضل ما لديها، ولإثبات أنها تستحق أن تكون في هذا المكان وداخل هذه الملاعب وبطولاتها، وجزءا من منتخباتها وهي تغادر هذا الكأس من الباب الكبير، بعد أن قدمت ما يستحق الإشادة والتقدير.
شاهدنا منتخبات كبيرة لها اسمها ومكانتها في كرة القدم وفنها وتاريخها تخفق ولا تحقق ما ينتظره منها شعبها، وجمهورها ومحبوها في كل أنحاء البسيطة، لتخرج من الباب الضيق الصغير تحمل الخيبة والحسرة على فشلها في الوصول إلى أهدافها ولو في أدنى حد لها، لتغادر البطولة حاملة كل الألم والمعاناة ولعنات الجماهير ودموع لاعبيها ومحبيها، منتظرة أربع سنوات أخرى لعلها تعود وتغير الصورة والمشهد، وتقدم ما ينتظر منها في ذلك الحين.
شاهدنا الأمراء وأصحاب السلطة والرؤساء يتقدمون الحضور ويدعمون منتخبات دولهم بقوة.. شاهدنا نجوم كرة سابقين ومن كانت لهم صولات وجولات في ملاعبها، وتركوا أسماءهم في سجلاتها.. شاهدنا أبطال عديد الرياضات المختلفة فردية وجماعية.. شاهدنا نجوم الفن وعديد الشخصيات العامة والعالمية، شاهدنا كل هؤلاء النجوم من مختلف الفئات الرسمية والرياضية والفنية وغيرها وهي تجلس في المدرجات والمنصات الشرفية للملاعب، تتابع مبارياتها وتقدم نفسها وتشجع منتخباتها وتتفاعل مع المباريات ومساراتها، فتفرح لهدف يسجل وتتفاعل مع هجمة ضائعة، وتتأسف لهدف يدخل مرمى منتخبها، وتحزن لخسارة وتفرح لفوز ربما أكثر ممن هم دخل الملعب حتى، ومن يركلون الكرة ويمثلون منتخباتها.
شاهدنا أفضل المدربين ومن كان لهم دور في يوم من الأيام مع فرقهم ومنتخباتهم، وقدموا المتعة والفوز، وأهدوا دولهم وأنديتهم الكؤوس والبطولات، وهم يتابعون المباريات ويتنقلون من ملعب لآخر ويتحمسون لمنتخب ويفرحون لآخر، وينزعجون لمنتخب ويتألمون لخسارته.
شاهدنا الاعتراضات على قرارات التحكيم والطعن فيها وانتقادها مما كانت في غير صالحهم، حقا وباطلا لتبرير بعض خيباتهم وهزائمهم، واتهام بمحاباة منتخب على حساب آخر.
شاهدنا الروح الرياضية التي سادت جل المباريات، فالعناق والمواساة وتبادل القبلات كان هو السائد بين جل اللاعبين مع نهاية كل مباراة، وإطلاق صافرة الحكم إعلانا لختامها، فكانت مشاهد معبرة عن قيمة الاحتراف ولاعبيه الذين تنتهي المنافسة بينهم بإطلاق صافرة الحكم لا غير، وهو ما يقدم صورة معبرة عن احترام متبادل لدى هذه المنتخبات المحترفة ولاعبيها الكبار، والتي تتعامل مع المباريات بمعايير تنتهي خلالها المواجهة والحماسة والتنافس بنهاية المباراة، وإطلاق صافرة الحكم ليبقى الود والصفاء هو الجامع بين كل اللاعبين مهما كانت النتائج والنهايات، ربما كانت هناك بعض الاستثناءات التي خرجت عن هذا المسار وفتحت حولها التحقيقات لمعاقبة من ارتكبها وخرج عن الروح الرياضية التي هي أعلى من كل البطولات.
شاهدنا من يستحق التتويج فعلا لعبا وسيطرة ومستوى ولاعبين، يحقق المطلوب وينال الكأس العالمية وكل الألقاب الفردية بجدارة، ونتائج مستحقة وآداء أبهر الجميع وأوقف كل الفرق الكبيرة والمنافسة التي عجزت عن مجاراته داخل الملعب أو النيل منه، بل حتى تهديد مرماه التي لم تتلق إلا هدفا وحيدا طيلة مباريات البطولة، وهو أمر ليس سهلا ولم يسبق حدوثه في كل البطولات العالمية تقريبا.
فعلا كانت أياما للمتعة والاستمتاع باللعبة الشعبية الأولى عالميا جذبتنا نحوها بقوة رغم أوقاتها المتأخرة، وجعلتنا نترك كل همومنا ونخرج من دائرة أزماتنا طيلة هذه الفترة، ونقضي وقتا جميلا لمشاهدتها ومتابعة جل مبارياتها.
واليوم بعد انتهاء وختام دورتها سنبقى ننتظر القادم منها، ومن غيرها من بطولات دولية وإقليمية إن كان في العمر بقية، وقبل كل ذلك نستعد لاستقبال عودة البطولات والدوريات الأوروبية، لنعيش معها متعة الكرة والمنافسات المحلية والقارّيّة، والتي لم يبق على انطلاق صافرة أولى مبارياتها في كل دولها خاصة الخمسة الكبار أو -حصرا الثلاثة الأكبر- إلا أسابيع قليلة لتعود إلى ملاعبها الحياة والمتعة والمنافسة الحقيقية..
لتبقى كرة القدم فعلا اللعبة الشعبية الأولى والأكثر أهمية في كل الرياضات العالمية..



