
* كتب/ مصطفى القعود،
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي أعلنت كلية القانون بجامعة قاريونس للطلبة والطالبات عن تنظيم رحلة فنية لحضور عرض مسرحية “نوارة”، فمن لديه الرغبة للذهاب فإن الحافلات في انتظارهم في محطة الكلية، وكنت ومجموعة من الأصدقاء وزملاء الدراسة من ضمن الذين صعدوا الحافلة بكل حماس ولهفة، لعل هذه المسرحية تنسينا متاعب البعد عن عائلاتنا وضغوط الدراسة.
شاهدنا المسرحية، واستمتعنا بنصها وأحداثها والأغاني التي لحنّها وأداها الفنان الكبير سيف النصر، النص الذي كتبه الكاتب المسرحي علي الجهاني أفسح المجال لجميع الممثلين والممثلات في المسرحية لتفجير طاقاتهم، بحيث أننا لم نشعر بالممل طيلة دقائق العرض المسرحي، وقد تنوعت الشخصيات والإفيهات وتعالت ضحكاتنا، شخصية “ابريّك” ذلك القهواجي الغلبان التي جسدها بتمكن الفنان ميلود العمروني وشخصية (البهلول الطيب) التي أداها مخرج المسرحية الفنان علي أبوجناح، وصولاً إلى الفنان صالح الأبيض موضوع هذا المقال، والذي انتزع ضحكاتنا حتى سالت دموعنا؛ ببراعته في أداء دور أستاذ اللغة العربية (با بي بو حلّي يانوارة)، وفي نفس العام جمعتني جلسة قصيرة مع الفنان صالح الأبيض في مقر الكلية، وقد تحدث عن طموحاته المستقبلية، فهو لازال في بداية طريق الشهرة.

تعرّف الجمهور الليبي على إبداعات هذا الفنان، وخاصة من خلال مسرحية عنوان البيت هلا (هس ع الخيل) وتوالت مسيرته المسرحية الناجحة، فقدم مسرحية خليل البخيل التي ساعده بثها المرئي عديد المرات على الانتشار، أما مسرحية كوشي ياكوشة بما امتازت به من جرأة وإسقاطات وتناغم الممثلين فهي التي وضعت اسم صالح الأبيض في القمة، واستقرت محبته في قلوب الليبيين، ورغم أن هذه المسرحية اعتمدت على مكان وديكور واحد، ويطلق على هذا النوع من المسرحيات (الدراما ذات الإطار المكاني الموحد) إلا أنها صارت وجبة شهية معتادة لنا عند تكرار بثها، وخاصة في الأعياد، وفي هذه المسرحية بالتحديد تشكلت شخصية صاحبنا، فلم يكتف بالتمثيل، بل اعتمد بعدها على إمكانياته المذهلة في الكتابة، فقد تأكد بنفسه أن أحداً ليس باستطاعته أن يخرج كامل طاقاته الإبداعية، فهو أدرى وأعلم منهم بذلك، وراهن ونجح بامتياز.
وكأن صالح الأبيض أحس برحيله المبكر، فقام بكتابة وتمثيل الكثير من الأعمال المرئية والمسموعة بشكل سريع ولاهث ومكثف، والحقيقة أنه في جميعها كان مقنعاً ومحبوباً ومبهراً كعادته، رغم بساطة المواضيع التي تناولها، ولكن المتلقي تلقاها بكل لهفة وحب وإعجاب وشغف؛ لأنه من المرات القليلة التي نرى ممثلاً في ليبيا لا يتكلف الأداء ولا يحاول أن يضحكنا (بالسيف!).
وعبر كل إرثه الفني الذي تركه الأبيض لم نتجرأ على انتقاده؛ لأنه كان صادقاً معنا وكان ذكياً في اختيار المواضيع التي تمس حياتنا اليومية، ولم يكن مهرجاً يهز جسمه ويرقص يستجدي متابعتنا وإعجابنا كبعضهم وهم كثيرون، كان من الذين يعبرون من خلال تعابير الوجه أو بابتسامة ساخرة تصل رسالتها سريعاً لنا دون أن نبذل جهداً لفك شيفرتها.
الفنان الكوميدي الكبير صالح الأبيض قدم الأعمال المرئية التالية:
المعنقر- أبيض شو– أبيض في أبيض– محطة– الطايح مرفوع– الأستاذ قليّة– قلية والديمقراطية– تغييرت جو– بحواسة– دايخ في عالم بايخ– شرمولة– الماشي ماشي– الطيب الدرويش.
وقدم المسلسلات المسموعة التالية:
ماشي الحال– جو جو– ع الماشي– الهروب من المكتوب– ع الطاير– نص ضحكة– سنترا فيش،
وقدم الفيلم الوحيد الذي عنوانه (م المغرب تقوى ناره).. يالها من محطات جميلة خالدة منحها صالح الأبيض عصارة جهده وإبداعه، وصدق فصدقناه، ولهذا اعتبرته أنا وهذا رأيي الشخصي (سيد الكوميديا في ليبيا).



