
* كتب/ محمد مليطان،
منذ أن نالت ليبيا استقلالها كان مشروع توريث الحكم يظهر كلما بدا أن نظامًا ما قد رسخ أقدامه في السلطة.
وفي كل مرة كان يقدم التوريث بصيغة مختلفة، لكنه كان ينتهي إلى الفشل.
ففي العهد الملكي توقفت فكرة انتقال الحكم داخل الأسرة – رغم دسترتها – مع استيلاء العسكر على السلطة.
وفي عهد الجماهيرية، وبعد أن تكونت عائلة حاكمة انتوت التوريث، انهار مشروع انتقال السلطة من القذافي الأب إلى الابن مع انتفاضة فبراير 2011.
اليوم، وبعد خمسة عشر عامًا من سقوط ذلك المشروع، تبدو ملامح محاولة توريث جديدة تلوح في الأفق، ولكن بقناع مختلف.
فالمشهد الليبي لم يعد يتجه نحو توريث السلطة داخل عائلة حاكمة واحدة، وإنما نحو تقاسمها بين عائلتين، وكأن التجربة السابقة أقنعت أصحاب النفوذ بأن احتكار الإرث السياسي لم يعد ممكنًا، وأن الطريق الأقرب هو مقاسمة النفوذ بدلًا من الانفراد به.
فحفتر الأب سعى طوال السنوات الماضية إلى فرض نفسه حاكما فردا على ليبيا، لكنه لم يتمكن من تجاوز حدود الجزء الذي يسيطر عليه من البلاد.
وفي المقابل حاول الدبيبة الكبير تثبيت سلطته في الغرب مستغلا أدوات الدولة وأموالها، إلا أنه لم ينجح هو الآخر في إحكام السيطرة حتى على كامل الجغرافيا الواقعة ضمن نطاق نفوذه المفترض.
ومع مرور الوقت وضيق هامش المناورة وتبدل موازين القوى، يبدو أن الرهان قد تغير، فالأعمار بيد الله، والوقت ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، كما أن الفرص الدولية والإقليمية لا تنتظر أصحابها طويلًا، وما يتوفر اليوم قد لا يكون موجودا غدًا، لذلك يبدو أن فكرة اقتسام الحكم والسلطة أصبحت أكثر واقعية لدى أصحاب المشروع من فكرة الاستحواذ الكامل.
ومن هنا يبرز الحديث عن صيغة جديدة قوامها انتقال النفوذ السياسي إلى الجيل التالي داخل العائلتين، في مشهد يذكر الليبيين بمحاولات التوريث السابقة، وإن اختلفت الأسماء والظروف والهيئة، وكأن ما تعذر تحقيقه لعائلة واحدة، يمكن إنجازه عبر شراكة بين عائلتين، خاصة بعد تجربة العائلتين الناجحة في تقاسم مراكز القوة والثروة وفي مقدمتها النفط وأموال المركزي.
غير أن هذا المشروع لا يبدو متماسكا بالقدر نفسه في جانبي البلاد، ففي الشرق مشروع الخلافة أكثر استقرارًا، ولا تظهر أصوات قادرة على المعارضة أو التأثير في مسارها. أما في الغرب فإن المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتسع دائرة الرافضين للتوريث والمقاسمة، ودائرة المعارضين لها توسعت وامتدت إلى شخصيات وقوى كانت تحسب حتى وقت قريب ضمن الدائرة الداعمة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح العائلتان في ما فشلت فيه العوائل السابقة؟ أم أن مشروع التوريث سيلقى المصير نفسه الذي لقيته المحاولات السابقة؟



