اجتماعيالرئيسية

جذورٌ في وجه العواصف

* كتبت/ تهاني كريم،

كان الشيخ جالساً على كرسيه في حديقة منزله، يتأمل الأشجار والورود والفراشات التي تتطاير فوقها بخفة. وفجأة، لمح شجرةً صغيرة تبرز من جذع شجرةٍ كبيرة؛ تأمل المنظر ملياً، وما لفت نظره أن تلك الشجرة الصغيرة، برغم أنها خرجت من رحم أمها، إلا أنها لا تشبهها في اللون ولا في تماسكها ولا في شموخها.

​وبينما هو غارقٌ في تفكيره، إذ به يسمع صوت فتاةٍ وأمها من خلف سياج الحديقة، كانت البنت تقول لأمها بحدة: “يا أمي، كل شيء تغير، لن أعيش في عصركِ؛ فنحن الآن في عصر العالم الرقمي!”.

​كانت الأم تحاول إقناع ابنتها بأن تلتزم العرف والتقاليد، إلا أن الابنة لم تعبأ بذلك، وبدأ يعلو صوتها. سمع الشيخ هذا الحوار، وفكر في داخله بحسرة: “لِمَ هذا الصراع بينهما؟ لِمَ لا يحاولان الوصول إلى تفاهمٍ بهدوء؟”.

​التفت الشيخ نحو الشجرة وهو لا يزال يتأمل إبداع الخالق، وقال في نفسه: “قد يخرج من رحم النبات جذعٌ أعوج، فكيف بإنسانٍ يكاد يتغير العالم من حوله مائة مرة في اليوم؟”. تمتم بهذه الكلمات ودخل إلى بيته يجر خطاه البطيئة.

​جلس في حجرته وفتح التلفاز، فإذا به يرى فتاةً تتحدث عن أهمية أن يعيش الإنسان في عصره، لا في عصر أجداده وقيودهم وتفكيرهم وأخلاقهم التي تآكلت مع مرور الزمن. اشمأز الشيخ من هذا الكلام، وأحس أن العالم يتغير من حوله وهو لا يزال يتمسك بعاداتٍ -حسب وجهة نظر تلك الفتاة- بالية.

اعتصرت قلبه غصةٌ عميقة؛ كيف صار الاحتشام في نظرهم عادةً بالية؟ وكيف أصبحت الأخلاق قيوداً من زمنٍ غابر؟ أليس الدين معاملة؟ أليس الخلق هو ميزان الإيمان؟

​تمدد على فراشه وأمسك بهاتفه النقال، لعله يجد فيه عزاءً يهون عليه ما رآه، وما إن فتحه حتى ظهرت تلك الفتاة وذاك الشاب اللذان يتمازحان ويضحكان بلا تكلف، وكأن الحياء قد أصبح في خبر كان، وكأن الحشمة باتت انغلاقاً في هذا العالم. أصبح داخله يهتف بمرارة: “ما الذي أراه وأسمعه وأعيشه على الواقع؟ ما بال الناس قد تاهوا؟ أأنا الغريب، أم هم الغرباء؟”.

​لقد أصبحوا مجرد أجسادٍ تجري خلف هذا التحول الرقمي الذي سرق منهم وقتهم وجهدهم، وصاروا مجرد أصداءٍ تلهث خلف الشهرة والظهور، متناسين أن الجوهر هو ما يبقى حين تخبو أضواء الشاشات.

​إلى هذا الحد أصبح التفسخ وانهيار الأخلاق تطوراً وانفتاحاً؟! أغمض عينيه وكل الصور تتزاحم في رأسه.. أأصبحت الأخلاق -بعد أن كانت عنواناً للرقي- قيوداً متآكلة من زمنٍ غابر؟ ما هذا الواقع الذي يحيط بنا؟ أأصبحت جذورنا يابسةً لا تنهل منها فروعها منهل القيم والمبادئ؟ هل توقفت عقارب ساعتي عن الدوران في عصرٍ لا يُعرف فيه إلا مَن سار مع القطيع؟ أأصبحت غريباً في وطنٍ كان يملأ أركانه بالقيم والمبادئ؟

​استسلم الشيخ للنوم، علّه يرى في المنام جمال الأمس وقد بدأ يتسلل إلى الحاضر، وتزهر الفروع من جديد، وتستمد قوتها وعطرها الفواح من أصالة جذورها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى