الرئيسيةالراي

رأي- الصيدلة أسلوب حياة..

* كتبت/ آلاء عبداللطيف عامر،

قديما، عند اكتشاف دواء Cyproheptadine 4 mg، كان يستخدم كمضاد للهيستامين لعلاج الحساسية والطفح الجلدي، وأثبت فعالية كبيرة في ذلك.

ومع مرور الوقت، ومتابعة المرضى، لاحظ الأطباء أن عددا كبيرا ممن يستخدمونه تزداد لديهم الشهية للطعام بصورة واضحة.

لم تتغير تركيبة الدواء، ولم يصنع من جديد، بل الذي تغير هو نظرتنا إليه، فاكتشف العلم أن له استخداما آخر لم يكن واضحا في البداية، فأصبح يستخدم أيضا كفاتح للشهية إلى جانب استخدامه الأساسي.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لا تتحدث عن دواء فحسب، بل عن الإنسان أيضا.

فكم منا يعيش سنوات طويلة وهو يظن أنه خلق لدور واحد فقط، أو لمهنة واحدة، أو لطريق واحد لا غير. نحصر أنفسنا في تعريفات ضيقة، وننسى أن الإنسان بطبيعته يتغير وينضج، وأن التجارب تكشف فيه جوانب لم يكن يعرفها عن نفسه.

قد يعمل شخص سنوات في وظيفة عادية، ثم يكتشف أن أعظم ما يملكه هو حسن تعامله مع الناس، فيصبح مصلحا بين المتخاصمين، أو قائدا لفريق، أو مصدرا للحكمة في مجتمعه.

وقد تكون أم تقضي يومها في إعداد الطعام لأسرتها، ثم تشجعها كلمة إعجاب واحدة لتبدأ مشروعا صغيرا، فيتحول شغفها إلى مصدر رزق وفخر.

وقد يكون شابا يحب التصوير كهواية، ثم يكتشف أن عدسته ترى الجمال بطريقة لا يراها غيره، فتفتح له أبوابا لم يكن يتخيلها.

وربما يكون مزارعا بسيطًا، لم يدرس في الجامعات، لكنه يملك من الخبرة ما يجعله معلما لكل من يبدأ هذا الطريق.

بل إن بعض الناس لا يكتشفون أفضل ما لديهم إلا بعد تعثر، أو خسارة، أو تغيير لم يختاروه، وما ظنوه نهاية، كان في الحقيقة بداية لاكتشاف نسخة جديدة من أنفسهم.

المشكلة ليست في أن الإنسان يفتقد المواهب، بل في أنه يتوقف عن البحث عنها، يعتقد أن أول دور أداه في الحياة هو آخر دور يستطيع أن يؤديه، بينما الحياة مليئة بالأبواب التي لا تفتح إلا لمن يجرؤ على طرقها.

لذلك، لا تخف إن وجدت نفسك تتغير، ولا تستغرب إن أحببت مجالا لم يكن يوما ضمن خططك، ولا تعتبر البدايات الجديدة دليلا على أنك تأخرت، بل ربما تكون دليلا على أنك بدأت تعرف نفسك حقا.

فالإنسان ليس شهادة يحملها، ولا وظيفة يشغلها، ولا لقبا ينادى به.

الإنسان إمكانات، وما دام يتعلم ويجرب ويعيش، فسيظل قادرا على اكتشاف جوانب جديدة من نفسه، تماما كما اكتشف العلم استخداما جديدًا لذلك الدواء بعد سنوات من معرفته.

وربما هذه هي أجمل حقيقة في الحياة، أننا لسنا نسخة مكتملة منذ البداية، بل مشروع يتشكل مع كل تجربة، وينضج مع كل خطوة، ويفاجئ نفسه قبل أن يفاجئ الآخرين، فلا تحكم على نفسك من الفصل الأول من حياتك، فقد يكون أجمل فصولها لم يكتب بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى