الرئيسيةالراي

رأي- مثلث برمودا… والزاوية

*كتب/ عمران اشتيوي،

في طريقٍ عادي داخل مدينةٍ أنهكتها التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وجدتُ نفسي أركب سيارةً متهالكة يقودها رجلٌ تبدو على وجهه آثار التعب أكثر من آثار العمر. كنت قد تركت سيارتي في ورشةٍ للصيانة، وأردت فقط أن أصل بسرعة، لكن الرحلات العابرة أحيانًا تترك فينا ما لا تتركه السنوات الطويلة.

كان السائق من مدينةٍ أخرى، بسيط الهيئة، صامتًا أغلب الوقت، وعلى يمينه طفلٌ صغير لم يتجاوز التاسعة من عمره. جلس الطفل يراقب الطريق بعينين مليئتين بالأسئلة، ثم التفت إلى والده فجأة وقال:

بابا… شن قصة مثلث برمودا؟ يقولوا السفن اللي تمشي له تغرق وتختفي… وين يمشن؟

ابتسم الأب ابتسامةً مرتبكة وقال:

مش معروف يا ولدي… يختفن وخلاص.

ورغم كل ما قيل عن مثلث برمودا من مبالغات وأساطير وتفسيرات غير علمية، فإن السؤال التالي للطفل كان أكثر إدهاشًا.

قال: بابا… وين تقع ميامي؟

فأجاب الأب بسرعة الواثق: في طرابلس.

ثم أضاف الطفل ببراءته المنطقية: يعني قريبة من مثلث برمودا؟ فرد الأب دون تردد: إيه… مثلث برمودا في الزاوية.

ضحكت في داخلي أول الأمر، لكن شيئًا ثقيلًا تسلل إلى رأسي بعدها. فالرجل لم يكن يشرح جغرافيا بقدر ما كان يصف شعورًا عامًا استقر في الوعي الليبي. الزاوية، في نظره، لم تعد مجرد مدينة، بل مساحة غامضة تبتلع أبناءها كل حين، دوامات متكررة من الاقتتال والعنف، يدخلها الناس فلا يعودون كما كانوا.

المدن لا تتحول إلى (مثلثات برمودا) من فراغ. حين يغيب الأمان، وتصبح أصوات الرصاص جزءًا من الحياة اليومية، يبدأ الناس في صناعة استعاراتهم الخاصة لفهم الخوف. والطفل الذي كان يسأل ببراءة عن السفن المختفية، لم يكن يعلم أن بعض المدن العربية صارت تبتلع أبناءها أيضًا، لكن دون بحر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى