
* كتبت/ بوح القلم،
ذاك البيتُ كان يعجُّ بالصخب، وكان الكلُّ يحبُّ أن يزورَه. كانت تلك الأمُّ، ذاتُ الروح الطيبة، تضفي على جلستها مع ضيوفها روحَ الدعابة وحلوَ الكلام، بينما كان الأبُ، ذو الكرم والجود، يجود بما لديه ليكرمَ الضيوف. وكان الأبناءُ يسعدون بمن يزورهم على نمطِ أبيهم وأمهم؛ فكلُّ مَن دخل البيتَ كان يشهدُ بالارتياح فيه. ظل هذا البيتُ عامراً بالأحباب، وكانت أياماً تغمرها السعادة.
كان الأبناءُ صغاراً، والأبُ يكدُّ ويتعبُ ليوفرَ لهم حياةً رغيدة، والأمُّ تهتمُّ بأمور البيت بكلِّ حب. ومرت السنواتُ على هذا الحال، حتى بدأت همومُ الحياة تتسللُ إلى ذاك البيت الهادئ. بدأ التعبُ يبدو جلياً على وجه الأب؛ فقد أنهكته مشقةُ العمل وخرّت قواه، والأمُّ التي كان البيت يعجُّ بصوتها الرخيم، بدأت تذبلُ مع مرور الأيام.
اليوم، هي جالسة في زاوية البيت على كرسيها المتحرك، ترنو ببصرها نحو تلك الصورة المعلقة على الجدار وقد كساها غبارُ السنين؛ تأملتها طويلاً وهي تتوسط أبناءها في لحظةٍ تجمد فيها الزمن، وكأن الغبار يحاول عبثاً إخفاء ملامح تلك السعادة الراحلة. وبجوارها جلس الأبُ الذي أنهكه التعب، مستسلماً هو الآخر ليعانقَ الذكريات والحنين في صمتٍ طويل. أما الأبناءُ، فكلٌّ تزوج وذهب إلى بيته الجديد، تاركين خلفهم أباً وأماً أنهكهما تعبُ السنين الذي كان لأجلهم. فرغ البيتُ من الأبناء، ونقص الزوارُ، وعلا الغبارُ المجالسَ التي كانت يوماً لا تخلو من ضيف.
ولكن، رغم فراغ المكان، لم يفرغ قلبهما من الحنين؛ كانا يتوقان لرؤية الأبناء حولهما، خاصة، وهما في أشد الحاجة إليهم. أغمضت الأمُّ عينيها فجأة، واستسلمت لرحلة استرجاع مريرة؛ فراحت تتذكر ضحكة ابنها الصغير “أحمد” التي كانت تملأ الأركان، وتستعيد رنين كلمات ابنتها الكبيرة “فاطمة” وهي تناديها بحب. تذكرت كيف كان البيت يضجُّ بالضحكات وصخب الأصوات، وكيف كانت أصواتهم تتعالى فرحاً بقدومها. فتحت عينيها على واقع الصمت الموحش، وظلت ترنو بنظرها نحو المدخل، تنتظر في كل لحظة أن يطرق أحدهم الباب..



