
* كتب/عبدالعزيز الغناي،
لا يمكن فصل المعارك العسكرية عن تاريخ العالم وأثره على تشكل الأقاليم والقوى والدول، سواءً الأثر الجغرافي أو الأثر التاريخي أو الأثر الثقافي الوجداني للبشر وللكيانات، ولربما كانت القلاع المحصنة تخطط للمعارك بكل حرص وتفان وبمنتهى الدقة ممتلكةً كل أدوات النصر، ولكن لجندي على الجبهة رأي آخر، فقد يحيل بتصرف غير مسؤول النصر إلى هزيمة، والبناء التخطيطي إلى خراب.
لذلك فإن الحروب لها بعض المرتكزات، ولكن الحرب أساسا دالة في الزمن، قد تطول فينهك المُهَاجَم وقد تطول فيمل المُهاجِم، وتأتي في ثاني المقامات العقيدة أو الهدف، فالسؤال الملحّ دوما: ماهي قدسية القضايا حتى يضحي الإنسان بأغلى ما يملك وهي حياته مقابل هذه القضية، أيضا ماذا أعددت لهذه الحرب.
علي أي حال تجري هذه الأيام معركة حامية الوطيس بحريا وجويا في الشرق الأوسط، من بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية ودولة الكيان وبريطانيا بشكل أقل، هذه الحرب أقيمت أساسا لثلاثة أسباب ظاهرة، الأول منها إيقاف البرنامج النووي الإيراني، والثاني هو إيقاف التهديدات الأمنية لدولة الاحتلال، والثالث هو استبدال النظام في إيران بنظام آخر مطبّع مع العدو ومصطفٍ مع محور الغرب.
حتى ساعات كتابة هذا المقال لم تشتغل حرب برية إلى الآن، ولم تنته القدرة العسكرية الصاروخية لإيران ولم يتوقف تهديدها لدولة الاحتلالـ ولم يفتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والملاحة الدولية، ولكن إيران خسرت جزءًا من قوتها العسكرية، وسترضى بكثير من الحلول الوسطية، كما أنها خسرت الكثير الكثير من القادة السياسيين والعسكريين والدينيين والمنظرين المثقفين وآلاف المدنيين، وأصبحت أخبار المفاوضات هي التي تتصدر نشرات الأخبار وتصريحات السياسيين وتحليلات الخبراء.
وككل الحروب الكبرى لابد من دراسة ما جرى لأن الولايات المتحدة قد تخسر مجددا هذه المرة، وخسارة الولايات المتحدة ليست حدثا عابرا خاصة وأن التحشيد الجوي الذي شهدته المنطقة ليس طبيعيا، بل هو الحشد الجوي الأكبر على الإطلاق فما هي الدروس المستفادة.
القوة.. التفوق العسكري الصاروخي:
أثبتت إيران أنها تمتلك قدرا لا يستهان به من القوة العسكرية، تمثلت في إدارة المعركة بجوانبها الدفاعية والهجومية والجبهة الداخلية، دقة التوجيه الصاروخي وتنوع المقذوفات مابين الفرط صوتية والمسيرات والصواريخ الانشطارية التي انتهكت دفاعات العدو، وهددت بشكل صريح جوار مفاعل ديمونة النووي، وأصابت حاملتي الطائرات الأمريكية فورد ولينكولين، وأسقطت عددا من الطائرات الأمريكية المقاتلة والمسيّرة، مع الاعتراف أن السماء الإيرانية مستباحة بالكامل، وأن منظومات الدفاع الشرقية فشلت فشلا ذريعا، كما سجلت منظومات باتريوت وثاد وهوك عجزا جزئيا في الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية في دول الخليج.
لذلك أصبحت تهديدات ترامب لا تقابل إلا بالتهديد، فالقصف بالقصف والبنى التحتية بالبنى التحتية والبادئ أظلم.
كما أن مضيق هرمز سيستحيل فتحه دون موافقة إيران؛ لأن أي سفينة ستمر ستكون عرضة لاستهداف المقذوفات الإيرانية التي تصيب قلب تل ابيب على بعد آلاف الأميال، فما بالك بناقلة نفط غير مؤمنة على بعد مئات الأميال، ناهيك عن إمكانية استهدافها بالألغام، لذا فإن إنتاجا يوميا يقدر بأكثر من 12 مليون برميل يعتبر في حكم العدم، وهو ما يعادل 12٪ تقريبا من الاستهلاك العالمي، إضافة للنقل البحري التجاري من موانئ الإمارات النشطة والتي شُلّ نشاطها بالكامل.
الإثنية والعقيدة الواحدة:
دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ضد دولة تعتبر مركز الإثنية الفارسية في العالم، ورمز أساطير وأباطرة الفرس منذ فجر التاريخ إلى الآن، ومركز الطائفة الشيعية في العالم، لذلك فإن جزءًا ليس بالهيّن من الشعب يقاتلون معركة وجودية لا هوادة فيها، لذلك كان الاستبسال أسطوريا، وبطبيعة الحال فالأساطير حاضرة وحكايات القدم متجددة، فشبّه كثير من المثقفين هذه الحرب بحرب الفرس الساسانيين والروم البيزنطيين التاريخية في القرن السابع الميلادي ما بين خسرو الثاني وهرقل عظيم الروم، والتي كانت سجالا بين الاثنين لمائات السنين، حتى انتهت بانتصار الروم والسيطرة على طيسفون (المدائن) وتشريد الفرس واستعادة الصليب المقدس لكنيسة القيامة في القدس.
لذا فكما استغل نتنياهو أسطورة الأميرة استير في القرن الخامس قبل الميلاد، التي أنقذت اليهود من بطش هامان وزير الملك الفارسي أحشويروش لمنح الغطاء الديني لهذه الحرب، فعّل الإيرانيون أيضا الحكايا الدينية وأمجاد سيطرة خسرو الثاني على القدس، وسطوة الفرس منذ تشكل الدول والتجمعات البشرية إلى الآن، لذا كان على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ربما العمل على إذابة هذه النزعة للشعب الإيراني، وتغيير واستبدال هذه المعتقدات بأخرى كما جرى بأوروبا والطوائف المسيحية.
تطويع الجغرافيا في الحروب:
أغلقت إيران مضيق هرمز ومنعت مرور ما أسمتها بسفن الأعداء منه، يا لها من ورطة، 20٪ من الإنتاج اليومي للنفط العالمي توقف تصديره، وارتفعت أسعار المحروقات في العالم ومن يهتم بالعالم، ارتفعت أسعار المحروقات في الولايات المتحدة وهذا هو المأزق الحقيقي لكل رئيس جمهورية أمام منافسيه السياسيين، ترامب طمأن العالم بأنه لا داعي للذعر وشراء النفط بأسعار مرتفعة؛ لأن أسعاره ستنهار، وطلب من السفن الناقلة للنفط المرور، ولكن رأس المال جبان وحتى من حاول المرور تم قصفه.
ثم ادعى ترامب أنه دمر كافة قدرات البحرية الإيرانية، لكنه لم يُزل خطر الألغام ولا الصواريخ والمقذوفات، وإن عملية مطاردة طائرة “شاهد” المسيرة أمر مؤرق ومتعب بمروحيات الأباتشي أو النفاثة A 10 ، لذلك فالمرور تعذر مجددا، ارتفعت أسعار النفط لكن ترامب طمأن الجميع وصرف النظر عن تغيير النظام ودعم المعارضين إلى افتتاح مضيق هرمز، فطلب من دول الناتو المساعدة ولكن الرد جاء مضحكا من وزير الدفاع الألماني إذ قال “ما الذي ستفعله فرقاطتان أوروبيتان إذا عجزت البحرية الأمريكية العظيمة في تأمين مرور السفن بمضيق هرمز؟”، جن جنون ترامب ووصف دول الناتو بالجبناء ومن الواضح أنه شعر بالخذلان والعجز، إلى أن اضطر إلى تهديد إيران بضرب منشآت إنتاج الطاقة، ما يعد جريمة حرب بحسب القانون الدولي الإنساني، إلى أن صرّح مؤخرا أن المضيق سيفتح بتأمين من ترامب وآية الله خامنئي، في تنازل مذل لا يمكن أن يغلف بأي غلاف.
إنه الاستخدام الأمثل للجغرافيا، جبال الأورال الخندق في المدينة شبه الجزيرة البريطانية وغيرها، يعرف الأهل جغرافيتهم أكثر من الآخرين أوقات المطر والبرد والحر ومتى ستهب الرياح، نعم انتصرت الجغرافيا على F35 وB2 وحاملات الطائرات، ظنت الولايات المتحدة والتي انتصرت على القراصنة الصوماليين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في باب المندب، والتي أنهت حصار الحوثيين في باب المندب أيضا للسفن الأمريكية الصهيونية، لكنها هنا تقع في مأزق لا حلا قريبا له، الخلاف هو أن في حال القراصنة الصوماليين أو في حال الحوثيين أنت تحارب تنظيمات لا دول، وللأمانة فقوة الحرس الثوري الإيراني وبحريته وخبرتها أكبر بكثير من قوة الصوماليين والحوثي، لذا فقد كانت نتائج المقارنة مخيبة للآمال بالنسبة للإمبريالية الأمريكية.
سلسلة القيادة
أهم تمرين للجيوش هو استمرارية خوضها للحروب، وهذا ما يؤكد التفوق العسكري الصهيوني لأنه في حال طوارئ دائم مقارنة بجيوش دول المنطقة التي لا تخوض الحروب أبدا، لذلك كانت حرب ال 12 يوما بين إيران ودولة الاحتلال قد استفادت منها إيران بشكل غير مسبوق، خاصة في تحصين وتأمين ما يعرف باسم سلسلة القيادةchain of command فحتى بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى للثورة وغيره من قيادات عسكرية وأمنية استمرت العمليات وبكل نظام على عكس مثلا ما حدث مع فنزويلا أو كثير من الدول التي يتعرض فيها القائد الأعلى لأي ضرر، تتأثر على أثره القوات ولكن النظام الإيراني استعاد توازنه ولم يتأثر فعليا باستهداف القيادات، لأن سلسلة القيادة موجودة وتتحدث باستمرار، ولأن الخطة موضوعة موضع التنفيذ سواء جاءت الأوامر الآنية أم لم تأت.
العلاقة البناءة مع دول الجوار ذات الحدود البرية
تمتلك إيران حدودا برية مع 7 دول هي العراق – تركيا – أرمينيا – أذربيجان – تركمانستان – أفغانستان وباكستان، أغلب هذه الدول لم تتورط في الصراع لعدة أسباب، ولكنها لا تنحاز بانجراف مع المحور الأمريكي، بل كانت خيارا أشبه بالمستحيل لخوض حرب برية أو إقامة حصار حول إيران بسبب التمتع بعلاقات ليست سيئة ولا توجد حروب وصراعات نائمة أو مجمدة، لذا فلا رغبة للدول بالانخراط في الصراع، فكانت هذه العلاقة متنفسا جيدا لإيران لإلغاء فكرة إقامة حصار غذائي لهدف افتعال أزمات معيشية في إيران، لذلك لم يؤرق النظام الإيراني إطالة أمد الحرب؛ لأن الـ 90 مليون إيراني لن يعانوا من مجاعة طاحنة، لأن الحدود البرية مفتوحة وأنظمة دول الجوار ليست موالية للولايات المتحدة بشكل أعمى.
وهذا الأمر لا يعد عاملا حاسما في الحروب، لكنه أمر لا يمكن إغفاله لأن الانظمة في دول الجوار تمتلك تأثيرا حيال زمن الأزمة، وقد حاول إقليم كردستان العراق أن يلعب دورا ضد إيران في الحرب، لكن قسوة الرد الإيراني جعلت من إقليم كردستان العراق يعيد حسابته وينأى بنفسه عن الصراع، وأمثلة تورط دول الجوار في الحروب كثيرة وتطوير وتحسين العلاقات معها أمر مهم.
الخبرة في المفاوضات
عديد من جلسات المفاوضات على المشروع النووي الإيراني بنت للنظام الإيراني بيت خبرة في التعامل مع دول الغرب، وكذلك من خلال التشكيلات المسلحة التي يتبناها ويدعمها النظام الإيراني، ككتائب الحوثي في اليمن أو حزب الله في لبنان أو تشكيلات الحشد الشعبي في العراق، مكنت للنظام الإيراني آلية فهم مكونات المنطقة، ناهيك عن الخبرة المتراكمة من الأجيال السابقة، ومع أن مراقبين قد بينوا ضعف مفاوضي النظام الإيراني بعد حرب ال 12 يوم والقبول بوقف إطلاق النار وقتها دون أي شروط، إلا أن النظام الايراني وعن طريق باكستان وعمان وتركيا شكل مفهوما واسعا للتفاوض، ونجح في إبرام صفقة لإدارة البرنامج النووي عام 2016 في مسقط، وبرعاية الاتحاد الأوروبي، وفي الوصول للإفراج عن مخصصات مالية لإيران تم تجميدها في الولايات المتحدة عام 2019 تبلغ 9 مليارات دولار في عهد الرئيس بايدن.
الاستمرار في خوض هذه المفاوضات شكل خبرة تراكمية تبدأ بسلسلة الشروط وتعلية السقف والتنازل المُتَحَكم به ورؤية النظام والضامن وغيرها.
مع أن إيران أبرامت عددا من الاتفاقات، ولكن ترامب نقضها ولكنها تمتلك خبرة في التفاوض تثبت كل مرة أنها دولة متأصلة، وأن ترامب مجرد رئيس ينكص عن اتفاقاته بشكل مضطرب.
إدارة الإعلام. الوصول للمتلقي وحرب التصريحات
يخوض ترامب ضد إيران حربا تقليدية بالمدافع والدبابات والطائرات، ويخوض حربا أخرى من جانب آخر هي حرب يحبها ويعشقها ويجيدها أيضا ترامب ألا وهي الحرب الإعلامية، إذ أجاد في استعراض القوة وإدارة الصراع مستغلا قيمته في العالم كرئيس لأكبر دول العالم ومحط أنظار الجميع، وبلا شك استغل ترامب هذا عديد المرات، ولعل أبرزها مؤخرا ما سربه لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد حيال تآمر ممن وصفهم ترامب بأصدقائه، وسببت هذه المعلومة في بحر من النزاع وعدم الثقة بين الإمارات ودول خليجية أخرى، نعم يجيد ترامب الحديث ولا يمل منه ويعطيه حقه ويصرح، وأحيانا يكذب ويدلس دون تلعثم، وتنهال الأفكار والأقلام لتفسر ما قال وماهي الرسائل والمآلات، على الجانب الآخر ضرب النظام الإيراني في مقتل عدة مرات كان أولها محاولة فاشلة للسيطرة على فضاء الانترنت في إيران بواسطة شركة ستارلينك للانترنت الفضائي لإيلون ماسك، ولكن التقنية الإيرانية حجمت وصولها بشكل كبير، ثم اغتيل المرشد الأعلى فأصبحت الخطب والتوجيهات والتعبئة الإعلامية ينقصها الكثير، وخسرت شخصية من أهم ما يكون، ثم كان مقر التلفزيون الإيراني هدفا تلا قصف الدفاعات الإيرانية الأرضية مباشرة، لتحرم الولايات المتحدة النظام الايراني من امتلاك أدوات الإعلام.
لكن كيف جابهت إيران هذا..؟ تقنية إيران منعت وصول الانترنت الفضائي ستارلينك للشعب، ومع أن رأينا قد لا يتفق مع النظام الإيراني في هذه المسألة إلا أنه نجح في تشكيل غيمة مضادة لوصول هذه التقنية لعملاء العدو ربما، ثم فعل شبكة انترنت محلية كانت شبكة إعلامية تعلم المواطنين بآخر الأخبار وتسهل وصولهم للمعلومة التي يريد النظام أن تصلهم.
إن البعد الإعلامي في الحرب أمر مهم بكامل الأهمية، فهو يشكّل بعدا لا يمكن إهماله مقارنة ببعد الاستعداد والتعبئة والتطور النوعي والتسليح، فخسارته تعتبر كابوسا لا يريد أي طرف في الحرب أن يعيشه، ولهذا نرى ترامب يظهر دائما وكل يوم تقريبا ليقدم إحاطته الشخصية عن الحرب في إيران للشعب الأمريكي، مقدرا أن المعلومة الصحيحة -كما قال تشرتشل- مهمة جدا لدرجة أنها لابد أن يحرسها جيش من الأكاذيب.
إن التاريخ أكبر مدرسة في هذه الدنيا، والحروب أهم مناهج هذه المدرسة، فبالرغم من ألمها ومرارتها لكن العالم يعترف أنها تدفع الإنسان للتفكير في الصناعة والإدارة والنظام والإبادة والقتل والسيطرة والسرقة، لذا فدراسة هذه الحرب كسابقاتها لابد أن يتم بصورة دقيقة لتفادي الأخطار التي تحيط بنا والتي لم نعدّ لتفاديها أي شيء.



