
قراءة تحليلية للمركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية لتقرير “غوتيرش” يؤشر على أن الأمم المتحدة ستتجاوز المجلسين
الناس-
يؤكد ما جاء في توصيات الحوار المهيكل يؤكد ما طرحه المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية من عزم البعثة الأممية تجاوز مجلسي النواب والدولة في المرحلة القادمة.
وكان من أهم ما خرج به الحوار المهيكل وفق تقرير البعثة الذي نشر في (07 يونيو الجاري) هو العمل على تشكيل حكومة استحقاق وطني، بمهام محددة، مع مجلس رئاسي، هذه الحكومة ستنال الثقة من ملتقى الحوار نفسه، وليس من مجلس النواب.
المركز الليبي للدراسات قدم قراءة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في (06 أبريل 2026) ذكر فيه الباحث أنه يعكس تحولا لافتا في توصيف دور المجلسين (الدولة والنواب)، ولم يقتصر على عرض الخلافات بينهما، بل تجاوز إلى إبراز نمط من الأداء السياسي القائم على التعطيل والتباطؤ في تنفيذ الالتزامات المرتبطة بخارطة الطريق الأممية.
وأكد غوتيرش في تقريره أن “التعثر ليس عرضيا بل اتخذ طابعا منهجيا متكررا ساهم في إعاقة التقدم نحو الاستحقاقات الوطنية وفي مقدمتها الانتخابات”..
مجلسا النواب والدولة لم يقفا متفرجين إزاء هذا التطور (المتصور) فقد أصدرا بيانا مشتركا في الثاني من يونيو الجاري، أكدا فيه “تمسكهما بمسار الحوار الليبي- الليبي، باعتباره السبيل الأمثل لإنجاز توافقات وطنية تفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة، تنهي المراحل الانتقالية، وتسهم في ترسيخ الاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة ودعم مسارات التنمية المستدامة”.
البيان ذكر ان لجنة (6+ 6) المشتركة بين المجلسين عقدت لقاء تشاوريا لمواصلة الحوار بشأن بعض المسائل المتعلقة بقوانين الانتخابات.
ويذكر في هذا الصدد أن شعار الحوار الليبي الليبي، واستخدم للضغط على المبعوث الأممي حين يتحدث عن إمكانية تجاوز المجلسين في العملية السياسية، وردا على اتهاماته لهما بعرقلة مسار الحل.
الباحث الليبي أ د. عثمان القاجيجي، الذي أعد الورقة للمركز الليبي للدراسات، قال إن منهجية المجلسين أدت إلى “إفراغ المسارات التفاوضية من مضمونها، وتعطيل تنفيذ خارطة الطريق الأممية، مما يعكس خللا عميقا في اداء المجلسين ودورهما في إدارة المرحلة الانتقالية من خلال عدة مسارات:
أولا/ إخفاق منهجي في تنفيذ خارطة الطريق الأممية.
حيث ظل المجلسان يديران الخلافات دون السعي الجاد إلى حسمها
ثانيا/ تعطيل متعمد للمسار الانتخابي:
هذا التعطيل لم يعدد مبررا بعوائق فنية بل أصبح أقرب إلى تعطيل سياسي مقصود، مرتبط بحسابات تتعلق بإعادة توزيع السلطة وضمانات ما بعد الانتخابات، الأمر الذي أبقى البلاد رهينة لمرحلة انتقالية مفتوحة
ثالثا/ تكريس نهج الإجراءات الأحادية:
يوثق التقرير لجوء النواب لاتخاذ إجراءات فردية كتسمية أعضاء المفوضية العليا للانتخابات في تجاهل واضح لمبدأ التوافق مع الأعلى للدولة. اعترض مجلس الدولة دون تقديم مبادرات بديلة. وبالنتيجة شلل مؤسسي كامل.
رابعا/ عجز عن الاضطلاع بالدور القيادي:
يعكس التقرير تقييما واضحا مفاده أن المجلسين لم يعودا قادرين على قيادة العملية السياسية، بل أصبحا جزءا من معادلة الجمود، ويتجلى ذلك في:
1 غياب الإرادة السياسية للحسم
2 ضعف القدرة على إنتاج الحلول التوافقية
3 الانخراط في نزاعات إجرائية وقانونية على حساب الاستحقاقات الوطنية.
خامسا/ اتجاه أممي نحو تجاوز الإطار التقليدي:
لم يعد التعويل قائما على المجلسين بوصفهما الإطار الحصري لإدارة العملية السياسية، ويفهم من التقرير أن هذا التوجه لا يطرح في سياق الضغط السياسي فحسب بل كخيار تنفيذي مطروح على الطاولة.
ويحمل هذا التحول في طياته تهديدا صريحا ومباشرة يتمثل في احتمال تجاوز المجلسين.
مفترق الطريق
وتخلص الورقة إلى أن المجلسين أمام مفترق حاسم: “إما استعادة زمام المبادرة من خلال التزام فعلي بتنفيذ خارطة الطريق الأممية، أو مواجهة واقع سياسي جديد قد يفرض عليهما، تتراجع فيه مكانتهما إلى حد التهميش، في ظل استعداد دولي واضح للمضي قدما في مسارات بديلة دون انتظار توافقهما”.
فماهي السيناريوهات المحتملة بناء على ما ورد؟
يضع القاجيجي، خمسة سيناريوها محتملة، لو مضت البعثة الأممية في تهميش المجلسين وهي على النحو التالي:
أولا، سيناريو التوافق الوطني (تنفيذ خارطة الطريق).
وذلك بإحداث تحول جوهري في سلوك المجلسين، هذا السيناريو يظل مرهونا بتغيرات عميقة في بنية القرار داخل المجلسين، وهو ما يجعله ضعيف الاحتمال في ظل المعطيات الراهنة.
ثانيا، سيناريو التوافق الجزئي (حل مرحلي)
أن يتمكن المجلسان من تحقيق حد أدنى من التفاهم يقتصر على القضايا الأقل خلافا. مثل القوانين الانتخابية، دون حسم كامل للملفات الجوهرية، بالتركيز على ما يمكن الاتفاق عليه في المرحلة الحالية.. هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى إنتاج مؤسسات ذات شرعية منقوصة أو محل نزاع.
ثالثا، سيناريو المسار الأممي البديل (تجاوز المجلسين)
ويقوم هذا السيناريو على إطلاق مسار سياسي مواز برعاية الأمم المتحدة يتم فيه توسيع قاعدة المشاركة. مع صياغة ترتيبات دستورية خارج الإطار الحصري للمجلسين. استنادا إلى مبررات تتعلق بعجزهما عن تحقيق التوافق.
رابعا، سيناريو فرض ترتيبات دولية مباشرة:
بانتقال المجتمع الدولي إلى مرحلة أكثر صرامة، تتضمن فرض إطار سياسي ملزم، أو جدول زمني محدد لتنفيذ الاستحقاقات مدعوما بأدوات ضغط مثل العقوبات أو القيود على الأطراف المعرقلة.
ويأتي هذا السيناريو على حساب السيادة الوطنية ويضعف ملكية الليبيين للعملية السياسية. وقد يواجه مقاومة داخلية
خامسا، سيناريو استمرار الجمود (الوضع القائم)
ويعد السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القصير، إلا أنه يحمل تداعيات سلبية من بينها تآكل الشرعية وتزايد فقدان الثقة داخليا ودوليا.
التوصيات
لم يكتف الباحث بتشخيص الحالة ورسم السيناريوهات المتوقعة، بل قدم توصياته ونصائحه لتجنب السيناريوهات الأسوأ، وكانت كالتالي:
1 إقرار التزام رسمي وملزم بخارطة الطريق الأممية، بإصدار موقف مشترك واضح من المجلسين يتضمن جدولا زمنيا محددا لتنفيذ الاستحقاقات وعلى رأسها القاعدة الدستورية والانتخابات
2 تشكيل آلية حسم مشتركة بإنشاء لجنة مشتركة بصلاحيات تقريرية وليس استشارية لحسم نقاط الخلاف العالقة خلال مدة زمنية محددة، مع اعتماد قاعدة التصويت بدل الإجماع عند الضرورة
3 وقف فوري للإجراءات الأحادية، بتجميد كافة القرارات الانفرادية في الملفات السيادية وإخضاعها لآلية توافقية واضحة
4 تفعيل الرقابة السياسية والمجتمعية: بتعزيز دور الرأي العام والمؤسسات الرقابية في متابعة التزام المجلسين بتنفيذ خارطة الطريق.
5 الانخراط الاستباقي مع المبادرات الأممية: بالتعامل مع التحركات الأممية بوصفها فرصة لاستعادة زمام المبادرة وليس كبديل مفروض، وذلك عبر تقديم مبادرات وطنية مشتركة تعكس الجديد في الحل
6 إعادة تعريف الاولويات السياسية: بالانتقال من إدارة الخلاف إلى حسمه.
الخاتمة.
تقرير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية صدر في 19 أبريل الماضي، وجاء في 12 صفحة، وجاء في خاتمته:
“يؤكد تقرير الأمين العام أن حالة الجمود لم تعد نتاج تعقيدات ظرفية أو تباينات فنية، بل نتيجة مباشرة لتقاعس مؤسسي واضح من المجلسين في تنفيذ الاستحقاقات الجوهرية المنصوص عليها في خارطة الطريق الأممية”.
“كما يعكس تآكلا متسارعا في ثقة المجتمع الدولي بقدرة المجلسين على إدارة المرحلة، ما ينذر بإعادة تشكيل العملية السياسية خارج الإطار المؤسسي الوطني”.
وفي هذا السياق “فإن استمرار المجلسين في النهج الحالي لا يمثل فقط إخفاقا سياسي بل يشكل تهديدا مباشرا لوحدة المسار الوطني، ويمنح مبررات موضوعية لأي تدخلات خارجية”.
“وعليه فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهما تقتضي مراجعة جذرية لنهج العمل والانتقال من حالة التعطيل إلى الفعل السياسي المسؤول”
وأخيرا
“اللحظة الراهنة تمثل نقطة فاصلة، فإنما أن يبادر المجلسان لاستعادة دورهما عبر التزام حقيقي بتنفيذ الخارطة الأممية، أو يواجها واقعا سياسيا جديدا يتم فيه تجاوزهما تدريجيا، وهو خيار لا يهدد فقط موقعهما، بل يمس جوهر السيادة الوطنية ومسار بناء الدولة الليبية”.



