الرئيسيةالراي

رأي- لماذا استكانت بنغازي لحكم العائلة والعسكر..؟؟!!

* كتب/ خالد الجربوعي،

عُرفت بالمدينة المتمردة.. مدينة الثورات.. مدينة المعارضة والرفض.. فمنها كان جل المعارضين ومنها دفع الثمن غاليا، قتلا وسجنا ونفيا، وهروبا لمعارضة الحكام والطغاة حتى كانت شرارة فبراير من داخلها.

لهذا كانت دائما تبحث عن العدالة والحرية وسقوط كل طاغية ودكتاتور، حتى كان التغيير في 2011 وما حدث بعده من أحداث خرجت عن كل سياق وتوقع.. ومن هنا يبدو أن المدينة تغيرت أو سيطر عليها من لا يملكون إلا النفاق والتطبيل، فالمدينة التي خرجت لإسقاط حكم العسكر والفرد والعائلة أصبحت اليوم تستكين وتعظم مثل هذا الحكم في نسخة جديدة لمن ذهب وانتهى.. حيث تحولت إلى مدينة العبودية والعبيد، ودعم الفرد وعائلته لحكم المدينة والبلاد من خلال العسكر والطغيان، لا ديمقراطية ولا حرية كانت أساس كل وجودها يوما وسمة من سماتها، فتغير الحال وأصبحت رمزا للعبودية وعودة ما كان.

الأمر الذي استغربه جل الليبيين وكل المتابعين لدور المدينة وتاريخها طيلة العقود الماضية وما جعلها تصل إلى هذا الأمر الغير معتاد بداخلها.

وطبعا للأمر عدة أسباب، منها ما هو عابر ومستجد وردة فعل على الأحداث التي عاشتها المدينة بعد 2011، وهو أمر لا ينكره أحد.. ومنها وهو الأهم النعرة الجهوية والبحث عن مكان وسلطة وسيطرة للخروج من عباءة عاصمة البلاد، ولو على حساب وحدتها واسمها ومكانتها، من هنا تحولت مدينة الثورة إلى مدينة السكون وحكم العائلة والفرد، ومدخلا لعودة حكم العسكر والدكتاتورية، لتسقط كل تضحيات أهلها وأبنائها، ومن أسقطوا طيلة عقود ودفعوا الثمن وهم ينادون بدولة ديمقراطية وحرية ومؤسسات وقانون، والتي أصبحت كلها اليوم خارج كل الأحداث، ولا مكان لها بين كل المطالب والأمنيات داخل المدينة وإقليمها ومحيطها.. فكل المطلب والغاية أصبح إرضاء السيد وأبنائه، وتقديم كل أنواع الولاء والطاعة لهم على حساب كل ما عرفت به المدينة يوما من تمرد ومطالب وأهداف، سقطت جميعها تقريبا، ولو علنا على الأقل.

حتى أصبح الكثير من الليبيين يستغرب ما يحدث في شرق البلاد عامة وفي بنغازي خاصة، حول ما يتعلق بقبول أهلها وأبنائها ونخبتها من عودة حكم العسكر والفرد والعائلة، ودعم مثل هذا الأمر والتطبيل له والمطالبة بسيطرته على البلاد كاملة.

فبنغازي التي كانت دائما غصة في حلق النظام السابق، ورافضة لحكمه وعسكرته للدولة.. بنغازي التي كانت أُسّ جُلّ الحركات المعارضة لنظام القذافي، ومن تعرضت لكثير من الأحداث الأمنية وغيرها.. بنغازي التي كانت شرارة أحداث فبراير 2011 للمطالبة بالتغيير من أجل دولة مدنية حقيقية لا مكان فيها لسيطرة فرد وحكم عسكر، تصبح هي من تدعم وتقود حملة لإعادة مثل هذا النظام، الأمر مستغرب ويضع كثيرا من علامات الاستفهامـ وطبعا كثيرٌ من يفسر الأمر بما تعرضت له المدينة في السنوات الأولى بعد 2011 من سيطرة جماعات مسلحة، ومحاولة فرض منهجها بقوة السلاح، إضافة إلى قيام من تدعمه اليوم بتحريرها وإسقاط ذلك المشروع، على الأقل كما يروج له داعموه ومن يطلبون رضاه.

صحيح أن لهذا الأمر دور ومكان فيما آلت إليه المدينة وأهلها، لكن الحقيقة الأساسية في هذا الأمر والتي قد تغيب عن الكثيرين و يجهلها الأكثر، أن الأمر لا يتوقف عند ما يحدث اليوم وما حدث بعد 2011 ولا بعد ما عرف بمعركة الكرامة وتحرير بنغازي، إن الأمر له جذور وخلفية طويلة.

فأهل بنغازي ونخبتها، خاصة الجهوية واصحاب النظرة المحدودة منهم يرون أن مدينتهم ومن ورائها شرق البلاد ومنذ عقود أنهم الأحق بحكم البلاد من هناك، وإن مؤسسات الدول الأساسية بدأت من عندهم، وإن كل المتغيرات السياسية الأساسية في البلاد خرجت من وسط شوارعهم، بداية من إعلان الاستقلال، إلى بيان ثورة القذافي أو انقلابه وصولا إلى جل جماعات المعارضة لنظام القذافي حتى شرارة ثورة فبراير، ومن هنا يرون أنهم الأحق بأن تكون لمدينتهم كلمة ومكانة أكبر من مجرد المدينة الثانية في ليبيا.

إضافة إلى أنهم يسوقون لتهميش مدينتهم طيلة العقود الماضية وأن طرابلس تستحوذ على كل شيء في البلاد، سياسا واقتصاديا وماليا وعمرانيا، ظنا منهم أنها تعيش في رغد عيش لا مثل بقية المدن الليبية.

من هنا خرج في بنغازي عقب ثورة فبراير قبل حتى سيطرة الجماعات المسلحة عليها تيارات متعددة، تطالب بالفيدرالية والحكم الخاص للإقليم من وسط بنغازي، بل حتى عندما انتقلت سلطة الانتقالي والتي بدأت من وسط مدينتهم وإقليمهم ودعموها حتى آخر لحظة قبل انتقاله إلى طرابلس أصبحت خصما لهم، ولا مكان لها في المدينة، ولعل ما حدث من اقتحام مقرها وتعرض بعض شخوصها للضرب خير دليل على ذلك.

لهذا عندما فرضت الظروف ما فرضت، وجاء من هناك من غيّر المعادلة ومنح المدينة سلطة خاصة بها، وجعل لها مكانة سياسية واقتصادية خاصة وغير مسبوقة، حتى إن كانت خارج سلطة الدولة الواحدة، أصبح الأمر نصرا مقبولا وغاية تتحقق لا يجب التفريط فيها، مهما كان الثمن، حتى لو وصل الأمر إلى تقسيم البلاد، وهو ما يطلبه الكثير من الأساس من ناحية، وإعادة سلطة الفرد والعائلة والعسكر من ناحية أخرى، فقط لأنه منح مدينتهم ما كانت تفتقده من سلطة ومؤسسات دولة، حتى لو كانت موازية للمؤسسات الأساسية في طرابلس.. ومن هنا كان التغيير والاستكانة التامة، لهذا لا تريد التفريط في مثل هذه المكاسب كما يرونها، حتى لو سلموا البلاد لحكم عائلة تفعل بهم ما يحلو لها، وتسقط كل مطالب الحرية التي عرفت بها المدينة طويلا، والتي من أجلها ولو جزئيا كان التغيير في فبراير.

لأن كما يرى أهالي المدينة ومن ورائهم كل إقليم برقة هو إنجاز لا مثيل له، حوّل مدينتهم من مجرد مدينة ثانية تعتمد على ما يحدث في طرابلس العاصمة وتسير خلفها إلى مدينة أصبح قرارها بيدها ويخرج من داخلها  ويفرض نفسه ويعيد تشكيل الأحداث وفرض المطالبات، لهذا كانت التضحية بكل الأهداف والمطالب الأساسية التي يفترض أنهم خرجوا من أجلها لإسقاط النظام السابق، من ديمقراطية وحرية ودولة مدنية ودولة مواطنة وتبادل للسلطة وغيرها، مادامت مدينتهم تحصلت ولو آنيّا على مكاسب أخرى حولتها إلى مركز سلطة وقرار خاص بها، حتى لو كانت داخلية نسبيا.. فتحول البرلمان بكل مساوئه إلى مكان لا يجب إسقاطه أو التفريط فيه، وتحولت الحكومة الموازية -ولو كانت وهمية وتابعة ولا كلمة حقيقية لها فقط تنفذ أوامر أسيادها- هي الحكومة التي لا يجب التنازل عنها، أما أصحاب الكلمة والسلطة العائلية العسكرية فأصبحوا أبطالا لا مثيل لهم، حتى لو داسوا على أهل المدينة بأحذيتهم العسكرية وحولوها إلى ملكيتهم الخاصة حجرا وبشرا، وأصبح التقديس والإذلال والعبودية أساس العيش والبقاء بداخلها.

وتأكدوا أنه لو انتقلت في يوم من الأيام كل تلك السلطات التي يبجلونها ويعظمونها إلى طرابلس وتمكنت من الحكم من داخلها وتركت مدينتهم وإقليمهم ليعود إلى ما كان عليه سابقا، وأعادتهم إلى الحجم والمكانة السابقة، فستكون كل تلك السلطات هي العدو والخصم الأول لهم، بعد أن كانت صاحبة كل الفضل والقيمة والمكانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى