
* كتب/ منير الساعدي،
ونحن ننتظر افتتاح مقره الجديد، تناهت لمسامعنا أخبار تقليص مساحته، فرأيت أن أقول كلمة حق لمستها فيه..
فحينما يُذكر المقهى الثقافي في مصراتة، فإن الحديث لا يكون عن مقهى بالمعنى التقليدي للكلمة، بل عن تجربة مجتمعية وثقافية متكاملة استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة خاصة في وجدان المدينة وحاضرها. لقد تحول هذا الفضاء على مر السنين إلى مدرسة مفتوحة للمعرفة والحوار والعمل المجتمعي، ومنصة التقت فيها الأفكار والاهتمامات المختلفة تحت سقف واحد يجمعها احترام العقل والإنسان.
فأصبح المقهى وجهة لطلاب الجامعات وأساتذتها والباحثين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، احتضن عشرات الندوات والمحاضرات والأمسيات التي تناولت الثقافة والأدب والتاريخ والحضارة والفكر والسياسة والاقتصاد والتنمية، فكان رواده يتنقلون بين هذه العوالم المعرفية المختلفة في رحلة فكرية تثري العقل وتوسع المدارك وتفتح آفاقاً جديدة للفهم والنقاش.

ولم تتوقف رسالته عند حدود الثقافة النظرية، بل امتدت إلى التعليم وخدمة المجتمع. فقد احتضن برامج دعم لطلبة التعليم الأساسي والثانوي، وساهم في تقديم الدروس والمراجعات المنهجية لطلبة الشهادتين الإعدادية والثانوية، إيماناً منه بأن المعرفة مسؤولية مجتمعية يجب أن تكون متاحة للجميع.
كما أصبح للمقهى دور مهم في تعزيز المشاركة المدنية وترسيخ قيم الحوار الديمقراطي، حيث فتح مساحات مجانية للمرشحين في الانتخابات البلدية للتعريف ببرامجهم والتواصل مع المواطنين دون تحيز أو تفضيل، مقدماً نموذجاً راقياً لاحترام التعددية وإتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم وأفكارهم.
ولأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن قضايا المجتمع، فقد كان المقهى الثقافي حاضنة لمبادرات العمل المجتمعي والتطوعي، وشجع شبابه على الانخراط في الأنشطة الميدانية وخدمة الناس والمساهمة في معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية. فخرج من بين أروقته شباب آمنوا بأن الثقافة ليست مجرد قراءة الكتب وحضور الندوات، بل هي أيضاً عمل وعطاء ومسؤولية تجاه المجتمع.
وأيضا لم يغفل المقهى عن أهم جانب، ألا وهو الجانب الديني والروحي، فقد خصص مساحة مهمة للفقه والشريعة الإسلامية، خاصة خلال الأمسيات الرمضانية واللقاءات العلمية، فاستضاف المشائخ والباحثين وفتح المجال للنقاش الرصين حول القضايا الشرعية والفكرية، في إطار من الاعتدال والوسطية واحترام الاختلاف. وبذلك جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين المعرفة الدينية والمعرفة الإنسانية، دون تعارض أو تناقض.

كما تمتاز مكتبته بتنوعها وثراء محتواها، حيث وجد فيها القارئ كتب الأدب والتاريخ والفلسفة والاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلوم والتكنولوجيا والفكر الإسلامي، فأصبحت مقصداً للباحثين عن المعرفة على اختلاف اهتماماتهم وتوجهاتهم.
والمقهى الثقافي في مصراتة كان وما يزال أحد النماذج المضيئة التي أثبتت أن الثقافة يمكن أن تكون جسراً بين التعليم والعمل المجتمعي والدين والحياة، وأن الحوار يمكن أن يجمع المختلفين على خدمة الصالح العام.
ولهذا فإن المحافظة على هذا الصرح الثقافي ودعمه ليست قضية تخص القائمين عليه أو رواده فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية تتعلق بحماية فضاءٍ أسهم في بناء الوعي ونشر المعرفة وتعزيز قيم المشاركة والانتماء.
إن الأمم التي تحترم مستقبلها، ترعى منابر فكرها وثقافتها، تُوسِعها وتنشرها، لأنها تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الإنسان لا يُبنى إلا بالعلم والمعرفة والحوار.



