
* كتب/ مفيد أبومديس،
لم تعد المفارقات مجرد مواقف عابرة، بل أصبحت أسلوب حياة، حتى بات المرء يقف أمام كثير من المشاهد عاجزًا عن تفسيرها إلا بالدعاء: اللهم إن كان سحرًا فأبطله.
تريد أن تعمل؟ يقال لك: لا بد من شهادة خبرة .. تريد شهادة خبرة ؟ لابد من أن تعمل !!
استغراب يختصر عبث منظومة كاملة، وكأن الوظيفة لا تُمنح إلا لمن سبق أن حصل عليها.
يمرض الإنسان ويحتاج إلى عملية جراحية لا تتجاوز ألفي دينار فيعجز عن توفيرها، ثم يرحل عن الدنيا فتقام له مراسم عزاء بعشرة آلاف دينار!
وكأن المجتمع يجيد تكريم الموتى أكثر من إنقاذ الأحياء.
المتسول يجلس أمام المسجد لا يصلي، بينما يتسابق المصلون الخارجون من الصلاة إلى إعطائه المال، ثم يطلبون منه أن يدعو لهم!! مفارقة تجعل السؤال مشروعًا: هل أصبحنا نهتم بالمظاهر أكثر من جوهر العبادة؟
في التعليم تتجلى صورة أخرى من العبث؛ طالب متفوق حصل على أعلى الدرجات، لكنه يجد نفسه راسبًا بسبب لوائح وإجراءات لا تعترف بالاجتهاد بقدر ما تعترف بالتعقيد، حتى أصبح التفوق أحيانًا لا يكفي للنجاح.
يسافر بعض الحجاج على نفقة الدولة، ثم يعود ليقيم وليمة تتجاوز قيمتها أكثر من مائة ألف دينار!!
وكأن الغاية من الرحلة تحولت عند البعض من عبادة وتواضع إلى استعراض ومباهاة.
هذه ليست حوادث منفصلة، بل صور متكررة تعكس خللًا في ترتيب الأولويات، حين يصبح الشكل أهم من المضمون، والوساطة أقوى من الكفاءة، والمظاهر أغلى من الإنسان.
اللهم إن كان سحرًا فأبطله، وإن كان فسادًا فأزل أسبابه، وإن كان اعوجاجًا فأقمه، فإن الأوطان لا تبنى بالمفارقات، وإنما تبنى بالعدل والعقل واحترام الإنسان.



