الرئيسيةثقافة

حوار مع الشمس..

في ذكرى رحيل صديقي علي فهمي خشيم

* كتب/ يوسف الغزال،

في صيف عام 2005 م تقريباً جاء من طرابلس الدكتور علي فهمي خشيم ويرافقه رسام الكاريكاتير الفنان محمد الزواوي والكاتب ابراهيم حميدان في زيارة لمصراتة.

كنت أنا وحسين المغراوي ويوسف خشيم في استقبالهم، وحتى برنامج الرحلة جاهز متفق عليه منذ مدة، يبدأ البرنامج بعشاء ثم السهر تحت القمر حتى الصباح على شاطئ البحر، بشرط أن يكون التواجد على شاطئ الجزيرة قبل الغروب حتى نتابع لحظات سقوط قرص الشمس في البحر ونستمتع بلوحات الغروب العشوائية أو السريالية بلغة المدارس التشكيلية.

وضعنا كل مانحتاجه في السيارة من أغراض، وقصدنا البحر وصلنا المكان قبيل الغروب، المكان كان عجيب ومنظر البحر كان بهيج، البهجة بدأت تغمر وجوه الرفاق، تتعالى الضحكات والتعليقات والنكات، لوحة الغروب بدأت تتشكل، قرص الشمس يقترب من خط الأفق زرقة السماء تزداد دُكنة، نصف اللوحة العلوي ينعكس على سطح البحر، مجموعة صخور رمادية عليها طحالب خضراء تلبسها موجة وتخلعها أخرى قرب الشاطئ حيث نجلس .

ثلاثة نوارس بيضاء تحلق جائعة في الفضاء والزبد الأبيض يظهر ويختفي في خطوط متموجة بعرض الشاطئ، الأفق أمامنا لوحة متحركة في تكوينها وتلوينها أشكال سريالية تتمظهر أمامنا على صفحة السماء، بدأ الشفق يترك مكانه للغسق وتتلون السماء وتختلط الضياء بالغموم، يحْمّْر مكان ويصّْفر آخر تتوهج اللوحة وتنطفئ بالتدريج، سواد مهيب قادم يختفي الشفق خلف الافق نهر من الرماد تعلو حوله ألسنة لهب قطع سوداء تتكور وتتحرك مع كتل السحاب كأنها دخان أو رخام، خلفها حزم من حطب بجوار ماتبقى من قرص الشمس الذي بدأ يغرق في البحر، في وسط اللوحة يتوهج سطح البحر ينفلت شعاع بين الغيوم يتحول سطح البحر لمرآة عاكسة للهب أصفر من ذهب، هدير الموج ورقرقة الماء بين الصخور تجعل اللوحة ناطقة مسموعة ومع نسيم البحر ورائحة اليود تتوهج ألوانها، تستشعر اللوحة بحواسك الخمس، غرق نصف الشمس خلف الأفق تقلص حجم اللوحة ينكمش الأفق، لحظات غرقت الشمس بالكامل بدأ الليل عندنا وبدأ النهار عندهم خلف الافق، غابت الشمس تماما لترسم في مكان آخر لوحة شروق جديد ليوم جديد في بلاد ما وراء الأفق.

ذكر علي خشيم بأسلوب ضاحك قفشات من صراع ألهة الإغريق على لسان شاعرها الأعمى هوميروس وملاحقة إله البحر (أبوصيدون) للبطل أوديسيوس بطل ملحمة الأوديسا، وتبقى هيبة وجلال البحر توحيان بكل شيء.

غابت الشمس بدأ هدوء الليل توهج القمر، صرنا نرى صورة الشيء وظله تحت ضوء القمر على رمال شط الجزيرة، والموجة تجري وراء الموجة ودون جدوى .

خلعنا ملابسنا وسبحنا في ماء البحر كان في البحر ماء كثير، وتذكرنا صديقنا أحمد إبراهيم الفقي (البحر لا ماء فيه) تجولنا حفاة على الرمل وجمعنا بعض الأصداف، المكان مغري فسيح أمامنا، البحر خلفنا بحر من الرمال والقمر في سمائه يراقبنا ويتبعنا أينما نمشي.

وضعنا الطنجرة على النار، كرموس فالوقي في سطل الماء مصقع، وبراد الشاهي يركرك على نار الفحم تلس دون حس، بدأت حكايات الأصدقاء، تبرعت بما عندي من نكات ونستمتع بقفشات إبراهيم حميدان وسرد محمد الزواوي، بداياته الأولى في الرسم وتفاصيل قصة معرض تونس الشهيرة، قمنا معا لغطسة في البحر.. للعوم تحت ضوء القمر مذاق لايعرفه كل أحد.

لحقنا يوسف خشيم ببراد الشاهي، جلسنا على الحشفة وشربنا الشاهي وسط البحر، قام فجأة الدكتور علي خشيم وهو يضحك وعلى طول حسه أنشد يقول:

وكأننا والماء من حولنا

قوما جلوس من حولهم ماء

السماء سماء

والقمر قمر

والهواء هواء

الليل ونجوم السماء تشير إلى مدى اتساع الكون والموج المتلاحق يتكسر على الشاطئ، جاء حسين المغراوي بسطل الكرموس، إنها ليلة اكتمال القمر واكتمال الفرح، ودعنا الشمس ذهبت لأمريكا وكان القمر يضيء ظلام الليل وعتمة البحر.

وظلام الليل له سرج حتى يغشاه أبوالسرج

(جمال القمر) هو مضرب المثل في بلادي، القمر كوكب رومانسي يظهر في الليل ويختفي في النهار، كوكب بارد يعكس ضوء بارد يزيد من حلاوة وطراوة أجواء البحر، رأينا مرأة المعلقة من ثدييها على سطح القمر، تذكرنا الأسطورة الشهيرة لتلك المرأة التي عاقبها الله على إهانتها لكسرة خبز مسحت بها طفلها.

رائحة المكرونة فاحت ربما لأنها طابت أو الأنوف جاعت. السباحة تجعلنا نجوع، الجسم يحرق ما لديه من غذاء بسرعة ليعوض بها السعرات الحرارية التي يسلبها ماء البحر البارد من حرارة الجسم.

جاءت المكرونة حلوة ربما لأنها بكلب البحر وعلى الفحم وعلى ضوء القمر، أو جاءت على جوع بعد السباحة وسباقات جري على الشاطئ..

لاحظ محمد الزواوي بهرة الفجر من الشرق تزداد وضوحا، الجميع يتساءل بدهشة كيف مرت ليلة في لحظة، نعم حضرنا غروب أمس وها نحن نحضر شروق اليوم .

دارت الشمس حول الأرض أو دارت الأرض حول الشمس ونحن نجلس في نفس المكان..

رأيت الشمس وكأنها تقول لنا مررت على القارات وكل البحار والمحيطات، ورأيت الناس تعمل في حقول الشاهى في الصين، ورأيت مواني بحرية وجوية طارت بين قارات العالم أكثر من مائتي ألف رحلة طيران هبطت وأقلعت، بعد دورة كاملة على كوكب الأرض وجدتكم كما تركتم أمس، البراد يركرك على النار والهدرزة مستمرة، وأضافت الشمس تقول رأيت عمال مناجم الفحم الحجري ومناجم الفوسفات وألوف العمال بها حركة دائبة، وزحام شديد وفوضى في شوارع نيودلهي ومصانع في كوريا واليابان أنتجت آلاف السيارات، أسواق البورصة العالمية تداولت فيما بينها بمئات المليارات من مختلف العملات وأنتم في نفس الميعاد ونفس المكان، مصارف ربحت ومصارف خسرت ملايين الدولارات وأنتم كما أنتم تلعبون وتمرحون، كل ما رأيت حول الكرة الأرضية ما رأيت أفضل من حياتكم وسهولة عيشكم يا أهل ليبيا .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى