اخبارالرئيسيةعيون

الأزمة الليبية: هل تقود البعثة الأممية حواراً سياسياً جديداً؟

العربي الجديد-

مرّت أيام عدة على إعلان لجنة 6+6، المكلفة من قبل مجلسي النواب والأعلى للدولة في ليبيا البت في قوانين الانتخابات، يوم الثلاثاء الماضي، توافقها على هذه القوانين في بوزنيقة المغربية، من دون أن يصدر بشأن اعتمادها أي موقف واضح من قبل رئيسي المجلسين، عقيلة صالح وخالد المشري، فيما ظلّت المواقف الدولية تتراوح بين الترحيب باتفاق اللجنة والدعوة لاستمرار حواراتها.

تحفظ أممي على “توافق” بوزنيقة

وفي ليبيا، لم يصدر من الأطراف المحلية سوى موقف واضح للمجلس الرئاسي، الذي دعا الأربعاء الماضي جميع المؤسسات ذات الصلة والقوى الوطنية إلى توسيع مشاوراتها بمشاركة البعثة الأممية، بهدف ضمان استمرار الاستقرار الحالي وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات شاملة تضمن قبول نتائجها. إلا أن بياناً للبعثة الأممية في ليبيا، أعقب بيان الرئاسي فيما بدا استجابة لدعوته، أكد في اليوم ذاته أن البعثة ستواصل العمل مع جميع المؤسسات الليبية المعنية، بما في ذلك الرئاسي، لتيسير مشاورات بين جميع الأطراف الفاعلة لمعالجة المواد الخلافية في القوانين الانتخابية.

وفي إشارة إلى تحفظها على صحة إعلان لجنة 6+6 توصلها إلى اتفاق حول القوانين الانتخابية، وضرورة توسيع المشاورات للوصول إلى قوانين متفق حولها، قالت البعثة، في البيان، إن “العناصر الأساسية في القوانين الانتخابية والقضايا المرتبطة بها تتطلب قبولاً ودعماً من مجموعة واسعة من المؤسسات الليبية، وممثلي المجتمع المدني، بما في ذلك النساء والشباب، والأطراف السياسية والأمنية الفاعلة، كي يتسنى إجراء انتخابات شاملة وذات مصداقية وناجحة”. ولذلك، دعت البعثة جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا إلى “الانخراط، بروح من التوافق، في مساعي معالجة جميع القضايا العالقة وخلق بيئة أوفر أماناً وأكثر ملاءمة لإجراء الانتخابات في عام 2023”. وفي إشارة إلى مجلسي النواب والدولة، حثّت البعثة “جميع الفاعلين على الامتناع عن أساليب المماطلة الهادفة إلى إطالة أمد الأزمة السياسية التي سبّبت الكثير من المعاناة للشعب الليبي”.

وفي الأوساط الإقليمية والدولية، عبّرت بيانات عدد من الدول العربية، أبرزها مصر والسعودية والإمارات، وسفارات خمس دول غربية، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، عن ترحيبها بجهود لجنة 6+6.

وبينما دعت مصر مجلسي النواب والدولة للاضطلاع بدورهما المنوط بهما لاستيفاء جميع الأطر اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن وفي أقرب وقت، دعت كل من الإمارات والسعودية الأطراف الليبية إلى ضرورة التوقيع بشكل رسمي على القوانين الانتخابية.

أما بيان سفارات الدول الخمس، فقد أكد ترحيبها بـ”التزام بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالمضي قدماً في العمل مع جميع المؤسسات والجهات الفاعلة الليبية ذات الصلة، لتسهيل عملية معالجة جميع العناصر المتنازع عليها في الإطار الانتخابي، وتأمين الاتفاق السياسي اللازم نحو الطريق إلى الانتخابات، وتمكين تكافؤ الفرص لجميع المرشحين”.

مبادرة لدستور ليبي مؤقت

ويبدو أن موقف البعثة الأممية، وكذلك الدول الإقليمية والغربية، قد انطلقت من عدم وضوح لجنة 6+6 بشأن اتفاقها حول القوانين الانتخابية. فبالإضافة إلى عدم كشفها حتى الآن على نصوصها، انقسم أعضاء اللجنة بشأن صحة “نهائية” التوافق.

فبعدما أصدرت اللجنة بياناً ليل الجمعة الماضي، أكدت فيه أن مخرجات اجتماعاتها نهائية وملزمة لمجلس النواب لإقرارها من دون تعديل، نفى عضوان من ممثلي المجلس في اللجنة، وهما عضو اللجنة عز الدين قويرب، ورئيس الوفد الممثل لمجلس النواب جلال الشهويدي، أن يكونا وقعا على بيان اللجنة هذا، وذلك في تصريحات أدليا بها لصحيفة “المرصد” الليبية المقربة من حفتر، في إشارة واضحة إلى أن الاتفاق على القوانين الانتخابية لم ينجز بعد.

وفي ما يشير إلى مساعٍ من طرف مجلس النواب لنقض ما اتفق عليه في بوزنيقة، ولا يقتصر على قويرب والشويهدي، إعلان مستشار الأمن القومي لمجلس النواب إبراهيم بوشناف عن مبادرة قال إنه قدمها للبعثة الأممية، واقترح فيها تشكيل لجنة من مجلس الأمن القومي والهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور وخبراء البعثة الأممية لدى ليبيا، من أجل إجراء تعديلات على مسودة الدستور المقرة من هيئة صياغة الدستور، لاعتماد النسخة المعدلة دستوراً مؤقتاً للبلاد لمدة 10 سنوات، وذلك لتجاوز الأزمة الدستورية وتمهيد الطريق أمام إجراء الانتخابات.

وعلى مقلب المجلس الأعلى للدولة، زادت تغريدة، صدرت عن رئيس المجلس الثلاثاء الماضي، من الغموض المحيط ببيان اللجنة حول إلزام نتائجها وكونها نهائية، وذلك عقب تعثر مشاركته برفقة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في الإعلان عن نتائج اللجنة ليل الثلاثاء الماضي، إذ رغم أن المشري وصالح حضرا إلى بوزنيقة الإثنين الماضي، إلا أنهما غادرا المدينة الثلاثاء قبل الإعلان عن النتائج.

ورغم إقراره في تغريدته بأن “التعديل 13 يعتبر عمل اللجنة نهائياً وملزماً”، في إشارة إلى استيائه من مطالب عقيلة صالح بضرورة زيادة التعديلات على القوانين الانتخابية، إلا أن المشري طالب اللجنة بـ”زيادة التفاهم حول بعض النقاط من خلال اللجنة نفسها في لقاءات مقبلة”، وفق قوله. والتعديل 13 على الإعلان الدستوري الصادر عام 2011، كان أقرّه مجلس النواب الليبي في فبراير الماضي، ويتعلق بنظام الحكم. وتدور الخلافات حول قوانين الانتخابات خصوصاً حول شروط الترشح للرئاسة، لا سيما للعسكريين ومزدوجي الجنسية.

البعثة الأممية واحتمالات تفعيل لجنة باتيلي

وتعليقاً على ازدياد ضبابية المشهد بعد اجتماعات بوزنيقة، يرى الأكاديمي والباحث السياسي، خليفة الحداد، أن كل المواقف والتصريحات تشير إلى ارتباك واضح ناتج عن التعقيدات التي مرّت بها المرحلة السابقة للإعداد للانتخابات، معتبراً في حديث لـ”العربي الجديد” أن “ما أحاط بعمل اللجنة وغموض مخرجاتها سيدفع في اتجاه تولي البعثة الأممية قيادة حوار موسع بين الأطراف الليبية يتجاوز حوار مجلسي النواب والدولة”.

ويستند الحداد، في رأيه، إلى “ما أشار إليه بيان البعثة، وهو ما دعت إليه بيانات السفارات الغربية التي تدعمها”، معتبراً أنه “لا يوجد خيار آخر في الواقع”. ويرجّح الباحث السياسي أن يسير المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبدالله باتيلي، في اتجاه الإعلان عن تفاصيل مبادرته التي سبق أن أعلن عزمه على العمل وفقها، وتقوم أساساً على تشكيل لجنة تضم الطيف السياسي والاجتماعي والمدني في ليبيا.

ولا يرى الحداد أن مجلس النواب الليبي هو وحده من يسعى للعرقلة، بل أيضاً المجلس الأعلى للدولة. ويقول حول ذلك: “بيان لجنة 6+6 الأخير يبدو أنه صدر عن أعضاء مجلس الدولة، فنصوص الاتفاق تخدم مصالح هذا المجلس، خصوصاً شرط ترشح مزدوج الجنسية والعسكريين للرئاسة، والبيان جاء لإحراج مجلس النواب أمام الرأي العام، بالتذكير بأن التعديل الدستوري يؤكد أن نتائج اللجنة إلزامية ونهائية، ولذا فقد خرج الشويهدي لينفي توقيعه على بيان اللجنة”. واعتبر حداد كل ذلك مؤشراً على استمرار الخلافات بين المجلسين.

لكن الحداد لا يرى أن الطريق معبد أمام تولي البعثة الأممية زمام أمور حوار سياسي موسع في ليبيا، موضحاً أن أي بديل يمكن أن يلجأ إليه باتيلي “ستعترضه الكثير من الفخاخ، وأولها الإعلان الدستوري”. ويفسر ذلك بأن “التعديل على الإعلان الدستوري والذي أنشأ لجنة 6+6 مطعون فيه أمام المحكمة العليا، وغياب الحكم القضائي بشأنه حتى الآن يهدد بنسف نتائج أي مسار جديد”، معتبراً أن “التعديل الدستوري عقبة حقيقية، فلا يمكن تجاوزه لأنه مقر من المجلسين من جهة، ولا يمكن البناء عليه من جهة أخرى لأنه مهدد بالنسف بحكم قضائي”. ويذكّر الحداد بأن باتيلي نفسه تردد منذ البداية في قبول قانونية التعديل الدستوري خلال إحاطة قدمها إلى مجلس الأمن الدولي في إبريل الماضي، ثم عدّل رأيه ورحب بالتعديل، بل وأرسل إلى لجنة 6+6 دعماً فنياً لأعمالها.

من جهته، لا يرى الباحث في الشأن السياسي عبد الله الكبير أي خيار سوى إجراء انتخابات برلمانية فقط، وإحالة كل المشاكل والصعوبات إلى الجهة التشريعية الجديدة.

ويقول الكبير، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن “الكرة الآن في ملعب باتيلي ليُفعّل مبادرته ويشكل اللجنة رفيعة المستوى”، معتبراً أن “بيانات الدول الخمس هي بمثابة ضوء أخضر له”. ويشير الكبير إلى أن اجتماعات باتيلي مع الشرائح الليبية لم تنقطع طوال الفترة الماضية، وهي دليل على “أنه يعد للجنة التوجيهية، والمجلس الرئاسي سيبارك مخرجات اللجنة التوجيهية لتظهر في شكل توافق ليبي ليبي”.

ويتفق الباحث في العلاقات الدولية مصطفى البرق مع سيناريو اتجاه البعثة الأممية لتولي زمام أمور ملف الانتخابات، لكنه يرى أن “باتيلي لم تتبلور لديه التفاصيل حتى الآن، فالمستجدات في المنطقة عديدة، وتغير الحدث الإقليمي وتبعاته على مواقف أغلب الأطراف الإقليمية كبير، وأهمها الأحداث في السودان والتوغل الروسي، وغيرها، والتي تحتم على باتيلي التعاطي معها لتطوير خطته”.

وفي توضيح أكثر، يقدم البرق، في حديث لـ”العربي الجديد”، مثالاً: “القاهرة التي لم تعد تدعم حفتر على ما يبدو، خصوصاً بعد موقفه المشبوه في السودان إلى جانب طرف مسلح تعارضه القاهرة”، مشيراً إلى أن حملات أجهزة أمن حفتر على الحدود الليبية ضد المهاجرين المصريين، والتشديد الكبير أخيراً على المنفذ الحدودي الشرقي مع مصر، تعكس تغيراً ما في علاقة حفتر بالقاهرة.

ويشدد البرق على أن “هذا مثال من أمثلة أخرى، يضاف إليها التقارب المصري التركي”. وفي كل الأحوال، ينصح البرق بقراءة بيان لجنة 6+6 الأخير الذي يقول إن نتائجها ملزمة ونهائية. وبرأيه، فإن صالح والمشري قد يكونان قد استشعرا تحركاً من جانب باتيلي في اتجاه لا يخدم مصالحهما، ما دفعهما للإعلان عن نهائية النتائج لعرقلة تحركه، وفق تصوره.

ويعرب البرق عن اعتقاده بأن فرص العرقلة لا تزال بيد أطراف ليبية، مثل “حفتر الذي يسعى للسيطرة من أي باب، من الانتخابات عبر بوزنيقة ولو بإفشالها، ومن خلال اتصاله غير المباشر بحكومة طرابلس لعقد صفقة معها”. كما يشير الباحث إلى “أمر آخر يتعلق بإمكانية أن تكون مراوحة باتيلي مكانه على علاقة برغبة دولية في تجميد الأوضاع في ليبيا وإبقائها تحت السيطرة حتى وضوح الأوضاع في ملفات أكثر سخونة”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى