السبت , 25 مايو 2019
اخر ما نشر
ليبيا تودع الدكتور “البشير الجبو” عن عمر ناهز الستين عاما

ليبيا تودع الدكتور “البشير الجبو” عن عمر ناهز الستين عاما

أصدقاء الجبو وتلامذته ينعونه على صفحاتهم

ليبيا تودع الدكتور “البشير الجبو” عن عمر ناهز الستين عاما

 

وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعونأستاذي ومعلمي الدكتور البشير الجبو في ذمة اللهلا أعرف من أين أبدأ كلامي، فقد كنت معلما فاضلا زاهدا في هذه الدنيا محبا للعلم سخرت جل وقتك وحياتك في سبيل خدمة الوطن في عدة مجالات، ويكفيني فخراً أني أحد طلابك.هذا الفيديو من أحد المحاضرات التي كان يليقيها الدكتور في اللغة العربيةنسأل الله ان يجمعنا بك في جنات الخلد…..آمين آمين آمين

تم النشر بواسطة ‏أحمد الحويك‏ في الجمعة، ٣١ أغسطس ٢٠١٨

(الناس)- بعد فراق دام 23 عامًا، جمعتنا أقدار الله في بريطانيا، حيث كنت أعمل في مدينة ليدز، وكان هو يحضر الدكتوراه في جامعة ساوثهامبتون. تحادثنا عبر الهاتف واتفقنا على اللقاء في أقرب فرصة ممكنة. ولم يطل الأمر، حيث تمت دعوتي لحضور ندوة علمية في مستشفى ساوثهامبتون، فرحبت بذلك، وكانت مقابلته من أهم أسباب موافقتي على الدعوة.

بعد انتهاء الندوة، جاءني في المستشفى بسيارته وأصر أن نتغذى في بيته، وكان على وشك أن ينهى امتحان الدكتوراه. أخبرني أنه أرسل حاوية كاملة من الكتب إلى مصراتة. وأنه يفكر أن يرسل حاوية أخرى.

طلب منه أستاذه أن يبقى في بريطانيا ويعمل هناك بعد أن ينهي الدكتوراه، وقدم له عرضًا سخيًا. لكنه اعتذر عن ذلك، فما كان من أستاذه إلا أن قال له كيف تقبل أن تجلس في المقعد الخلفي وأنت بإمكانك قيادة السيارة بنفسك، فرد عليه قائلًا إنني أفضل أن أساهم في صناعة السيارة في بلدي وإن أاضطررت إلى الجلوس في المقعد الخلفي لفترة.

 

هذا بعض ما كتبه “عبدالسلام محمد اقطيط” أحد أصدقاء الدكتور بشير الجبو الذي وافاه الأجل المحتوم في تونس الجمعة (31 أغسطس 2018) بعد مرض ألم به، وتابع اقطيط في نعي صديقه:

“بعد الغذاء ذهبنا إلى صلاة المغرب في المسجد، وبعد الصلاة، التف حوله مجموعة من الشباب من بلدان مختلفة، منهم مسلمون انجليز وأوروبيون وأكراد وصوماليون وأفارقة وآسيويون، وتحلقوا في شغف باد وهم ينظرون إليه نظرات حب وتقدير وإعجاب. ووقف هو بكل تواضع أمامهم، وبدأ محاضرته عن اللغة العربية لغير الناطقين بها. وانساب في الشرح والتوضيح بطريقة تفاعلية فذة. سأله أحد الطلبة بكل حماس: أنا طالب رياضيات وأحس أن تعلم اللغة العربية يشبه الرياضيات تمامًا، فما السر؟ فأجابه بكل بساطة لأن كل قواعد اللغة العربية تخضع لنمط رياضي، ويمكن لك أن تستنتج تطبيقات كثيرة للغة العربية بواسطة المعادلات الرياضية!”.

كان ذلك هو بشير الجبو، العالم الفذ في مجال هندسة الاتصالات، الاستاذ الدكتور في هذا المجال، والضليع في علوم العربية والفقه الإسلامي.

 

وممن نعى الدكتور الجبو صديقه الدكتور “رافع بيت المال” فقال: “بساطة مظهره كانت تخفي معدناً من نوع خاص عزيز قل أن يجود الزمان بمثله، لم أكن مستعداً لتلقي خبر رحيله فقد كنّا نعشم النفس بعمر أطول، زحمة مشاريعه ومسابقته الزمن لأن يضع لبنة في كل جدار تجعلنا نطلب له المزيد، فهو وطني بامتياز دون ادعاء، أحتفظ له في ذاكرتي بالكثير من المواقف التي تشي بأنه رجل من نوع خاص نزاهته وبساطته ونظافة يده كما هي سريرته حب البذل والعطاء زهده في الدنيا وغيرته على دينه ولغته وعشقه لمهنته كل ذلك وغيره يكشف لك من أي الرجال هو…

آخر لقاء كان بيننا استحضرت قصة ثعلب الكوفي عندما جال في خاطره بعد أن أفنى حياته في علوم العربية قائلا: ذهب أهل الحديث بالحديث ففازوا وذهب أهل الفقه بالفقه ففازوا وبقيت أنا وزيد وعمرو… فما كان ليسليه مما هو فيه إلا أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له: إنك على العلم المستطيل.

فلما سردت له هذه القصة استأنس وبكى… رحمك الله وجمعنا بك في مستقر رحمته

 

من هو الدكتور الجبو؟

ونعت الهيئة الوطنية للتعليم التقني إحدى الهيئات التابعة لوزارة التعليم الفقيد، حيث تقدم الدكتور “عادل زنداح” رئيس لجنة إدارة الهيئة بالتعازي في أحد أهم مؤسسي كلية التقنية الصناعية مصراتة.

وسرد الزنداح في منشور على صفحة الهيئة سيرة ذاتية مختصرة جاء فيها: “الأستاذ الدكتور(البشير علي الجبو) من مواليد سنة 1957 ويعد قامة من قامات العلم في ليبيا وهو أحد أهم المؤسسين للمعهد العالي للصناعة – مصراتة (سابقا) كلية التقنية الصناعية – مصراتة (حاليا).
تحصل على درجة الدكتوراه في هندسة الاتصالات من جامعة ساوث هامبتون الإنجليزية والماجستير من جامعة كوينز الكندية والبكالوريوس من جامعة طرابلس”.

يتابع المنشور: “الجبو، سخر كل حياته لطلب العلم وتعليمه ولم يذخر جهداً لخدمة وطنه ليبيا وفي شتى المجالات.. كان زهيداً في هذه الدنيا محباً لزملائه ورفاقه.. تتلمذ على يديه الكثير من شباب الوطن والكل يشهد له بالإخلاص والتفاني والحرص على إيصال المعلومة بأبسط الطرق.
“الجبو” تشهد له قاعات العلم بقدرته وكفاءته على إخلاصه في أداء رسالته السامية وتشهد له أيضاً قاعات التدريس والتدريب على حضور مؤثر وهو من بين زملائه الذين أثروا الهيئة بخبرات كبيرة انعكست بشكل أو بآخر على المخرجات التعليمية التقنية والفنية.. وطالما صدح صوته بالحق من أجل ليبيا وطالما وقف ندا قويا صادقا من أجل أن ينال أبناؤه الطلاب أعلى مراتب العلم.
فأمام هذا المصاب الجلل لا يسعنا إلا أن ندعوا المولى عز وجل أن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله وذويه وزملاءه وكافة أحبابه جميل الصبر والسلوان ويسكنه مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً..
وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

 

وقد عجت صفحات التواصل الاجتماعي بالنعي وسرد المواقف النبيلة للفقيد والتي تؤشر بقوة على مكانته العلمية والسيرة الطيبة التي تركها، يقول “يوسف أبوراوي” وهو أحد تلاميذه:

كان أستاذا مثاليا خلف مئات الطلاب الذين يذكرونه بكل خير.. مجاهدا بكل ما يملك في سبيل ما يراه حقا وخيرا… مخلصا لله فيما يعمل ولا نزكي على الله أحدا… كان بذرة خير وعطاء في مجتمع تعود الكسل والنفاق.. يبدو للكثيرين حاد الطباع وسبب ذلك هو كثرة المخاتلين من حوله..

تقلد المناصب فلم يعرف عنه استغلال ولا سرقة ولا محاباة.. عاش الدكتور البشير الجبو غريبا ورحل عن عالمنا غريبا فطوبى للغرباء.. ألسنة الناس تلهج باستقامته وفضله وإن خالفوه في كثير من الأمور.. وقد قال رسولنا الاكرم إن ألسنة الخلق اقلام الحق… رحمه الله وغفر له وكثر الله في المسلمين مثله فبمثله تحيا الأمم وترتقي… بارك الله روحه.

تلميذه الآخر المهندس “محمد رجب رفيدة” تحدث عن موقف بسيط في محتواه كبير في معناه لمن يتأمله، واختار اللغة الدارجة ليقول:

“المرحوم الدكتور البشير الجبو.. درسنا زمان، وكان لما ايديرلنا امتحان يقعد شهر بيش يعطينا أوراقنا… سألوه بعض الطلبة: خيرك اتعطل علينا في تسليم الورق؟ قاللهم لما انشد الورق وانصحح، أول ما يتغير مزاجي ونقلق نوقف التصحيح، و نرجع انصحح بوقت ثاني.. بيش ايكون فيه عدل بين الجميع و مافيش حد انصححله بجو سمح و حد ثانى و انا طايرتلى … و هالشي حيبين ف تقدير الدرجات….
رحمه الله عليه و ان شاء الله ربي يغفرله و يسكنه فسيح جنانه

 

كما نعاه المهندس أسامة سميو متمثلا بقول الشاعر:

 

لعمرك ما الرزية فقد مال

ولا فرس يموت ولا بعير
لكن الرزية فقد رجل

يموت بموته خلق كثير

انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
ودعنا هذا اليوم صرحا علميا رائداً
ودعنا اليوم طودا شامخاً
ودعنا اليوم قيمة علمية قل نظيرها
ودعنا المهندس الأديب المفسر الكاتب
ودعنا النظيف العفيف الشريف النقي
ودعنا الموسوعة الواضحةودعنا المعلومة السهلة الممتعةودعنا الدكتور بشير علي الجبو
عزاؤنا لأهله وجيرانه وأصدقائه وطلبته وكل من عمل معه أوسمع عنه ومن سيسمع مستقبلا عن سيرته العطرة
رحمك الله استاذي الفاضل

واقترح الدكتور علي المحجوب إنشاء مكتبة عامة باسم الفقيد: “فلنعمل على إقامة مكتبة عامة من خلال تخصيص مقر لها في أحد المباني التابعة للدولة

في المدينة، ومساهمة الجميع في تجهيزها وليطلق عليها مكتبة بشير الجبو…الأمر ممكن إن تظافرت الجهود.. ومن الممكن أن تضم إليها

المكتبة الشخصية للمرحوم إن لم يكن قد أوصى بالتصرف بها أو كان لورثته رأي آخر”.

 

إن هي إلا لمحة مما نشر، ولو توسعنا في الاقتباس فلن تكفينا الصفحات القليلة, ولم تعلن عائلة الفقيد حتى الساعة عن موعد وصول الجثمان ومن ثم الدفن في مسقط رأسه بمصراتة.

 

عن abubaker78

رئيس تحرير صحيفة الناس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*