الرئيسيةفي الذاكرة

قصتي مع أبوخليل/ ح 3

* كتب/ عطية الأوجلي،

الغربة مرآة الروح … !!!

” …. إذا ما أراد الله تسيير أمرا لشخص ما… تتجمع الوسائل بيسر وسهولة يصعب شرحها…

كنت في فترة ما بعد الزلزال قد توقفت عمليا عن العمل.. كانت فترة صعبة.. فالزلزال ككل محن الحياة.. تبرز أجمل وأقبح ما في النفوس البشرية.. كنا نرى أعمال سرقة ونهب واستغلال وارتفاع جنوني للأسعار.. وكنا أيضا نرى حالات من التآخي والعطاء والكرم التي تأسرني وتجدد ثقتي في الناس.. عائلات تفتح أبوابها وتقتسم لقمة العيش مع المعوزين.. رجال أعمال يفتحون مخازنهم للمحتاجين.. كنت احاول أن أساعد قدر ما استطعت بعض العوائل من جيراني وأصدقائي وزبائني.. كنا نمر على الأحياء والبيوت والملاجئ ونقدم لهم ما استطعنا جمعه.. معاناتهم ذكرتني بمعاناة شعبي فازددت التصاقا بهم.. قررت أن أتفرغ للعمل الخيري..

أرشدني صديق إلى جمعية مدحها لي.. هؤلاء شباب مخلص ومحب للخير والناس،  اذهب إليهم.. كانوا يجتمعون في كنيسة في حي فقير.. لم يمر وقت حتى اندمجت معهم.. وهناك تعرفت على السيدة روزا”

” … كانت روزا تمثل نموذجا للشباب اللاتيني الذي رغم تفوقه في التعليم والعمل لم ينس قضايا وطنه ولم يتخل عن مجتمعه.. بل وظف العلم والخبرة لخدمتهما.. هاجرت روزا إلى أمريكا حيث درست وتخرجت من جامعة بنيويورك في القانون.. اجتازت الامتحانات وأصبحت محامية.. وعملت في مكتب يتولى الدفاع عن المهاجرين.. وعندما وقع الزلزال طلبت إجازة مفتوحة وقررت العودة إلى بلادها لتقف مع أهلها لتقدم العون وتخطط وتنفذ.. تحرض الناس على التآزر والتأخي.. كانت كتلة من النشاط.. وأيقونة معرفية. كانت مؤيدة ونصيرة لكفاح الشعب الفلسطيني وتتابع الأحداث بعين واعية.. ناقدة … وقلب عطوف ”

” … ما الذي يقوم به الزلزال!!.. إنه يكشف ما في باطن الأرض.. يكشف صلابتها.. يكشف الثابت والمتغير فيها.. إذا كان الأمر كذلك.. فقد كان لي زلزالي الخاص بي.. الغربة كانت زلزالي.. الغربة، تفرض عليك أن تقوم وبشكل دائم بتفحص نفسك وإعادة اكتشافها.. إذا كان الإنسان لا يرى جسده إلا أمام المرآة.. فالغربة مرآة الروح.. ستعرف كل شيء ليس فقط عن نفسك وإنما أيضا عن مكوناتك.. عن ثقافتك.. عن دينك.. هويتك… ستختبر ما فيك.. وستعرف الثابت… والمتغير”.

” … إحدى الهزات التي مرت بي كانت علاقتي بروزا… هذه المرأة شكلت تحديا لكل ما عرفت.. امرأة ناجحة وميسورة الحال تعيش في أمريكا حلم الملايين.. تترك كل ذلك وراءها لتأتي وتعيش في بلاد فقيرة وممزقة ومتخلفة.. التحدي الآخر.. هو صداقتي لها.. كانت المرة الأولى في حياتي التي أصادق فيها امرأة… فانا نشأت في بيت تقليدي وكنت وأبي واجدادي لا نعرف المرأة إلا كأم أو اخت.. زوجة أو ابنة.. لم يكن الأمر يسيرا علي… لكن وعي هذه المرأة وشخصيتها القيادية وإخلاصها كانت تفرض علي أن أبحث في طبقات نفسي وأعيد تشكيلها.. وللمرة الأولى رأيت جمال المرأة في عقلها”.

” توطدت علاقاتي بروزا.. رافقتها في جولات عديدة بين الأحياء.. تناقشنا كثيرا.. تعلمت منها تاريخ هذه البلاد.. وكيف تشكلت من مهاجرين من اسبانيا وسكان أصليين وقلة من افريقيا.. حدثتني عن الإقطاع وعن تدخلات أمريكا العلنية والسرية في شؤون بلادها.. حدثتني عن آمال وطموحات شعبها.. كانت ترى أن التغيير تراكمي وان العمل السياسي الحقيقي هو الذي يستهدف وعي الناس، وأن أخطر ما تمر به الشعوب هو اليأس.. كانت تقول: اليأس هو ما يريد من يستغلك أن تؤمن به… وزرع الخوف هو سبيله إلى ذلك”.

وكانت بين الحين والآخر تسألني.. لماذا لا تأتي إلى أمريكا؟.. فرص العمل هناك أفضل، وهناك جاليات عربية كبيرة.. وربما تجلب أسرتك إلى أمريكا ليدرس أطفالك هناك.. فكرت في الأمر فاستحسنته، ولكن شعوري بأن هذا البلد نيكاراغوا قد منحني البيت والأمن حتى أنني لم أحس مطلقا بالغربة بين أناسه.. جعلني أستهجن فكرة المغادرة الآن.. قررت بيني وبين نفسي أن أبقى على الأقل لمدة عام ”

” .. مر العام.. كان التأزم يزداد في نيكاراغوا.. وسخط الناس يتراكم على ما يرونه من فساد السلطات الحاكمة، وعجزها عن حل مشاكلهم.. كانت الأوضاع المعيشية الصعبة والأخبار عن الصفقات المالية المشبوهة وعن الترف الذي تعيشه العائلات الإقطاعية وأنصارها في الحكم قد خلقت توترا شديدا في البلاد، انعكس على سلوكيات الناس وعلاقاتهم.. كان اسوأ ما فيها هو فقدان الإحساس بالأمن.. شوارع العاصمة التي كنت أتجول فيها ليلا وأنا آمن مطمئن.. لم تعد آمنة.. بل صارت ملاذا للمتشردين وباعة المخدرات والأوغاد”

” …. بدأت فكرة الهجرة تلح على عقلي من جديد.. تحادثت مع روزا.. التي قالت لي إن أسرع وأسهل طريقة للدخول إلى أمريكا هي الزواج…!!! … وقبل أن أسأل كيف يمكن لي فعل ذلك… قالت ببساطة ووضوح إنها على استعداد على ترتيب ذلك لي.. أحسست بالضيق والحرج.. أنا متزوج.. ومن ناحية أخرى.. أكره أن أهاجر إلى بلاد أخرى عبر هذه الوسيلة.. قالت.. أنا محامية، وبالتالي أعرف أن في هذا تحايل على القانون، ولكن من الذي صنع هذا القانون؟ ومن أعطاه شرعيته.. وهل يحق لمن كان أبو أو جده مهاجرا أن يمنع غيره من الهجرة؟… ان كنا نتحدث عن التاريخ.. فأمريكا هي موطن الهنود الحمر، و هم السكان الاصليون، ما عداهم مهاجرون مثلنا تماما… ثم إنك لا تريد أن تلحق ضررا بأحد، وإنما تريد لم شمل عائلتك من جديد، ومنح نفسك وأسرتك فرصة أفضل للعيش ولأولادك في الدراسة… لكنني لم اقتنع”

” بعد أسابيع من التفكير والتشاور.. ومع ازدياد ضغوط الحياة… بدأت أراجع نفسي.. أنا في الغربة بلا عمل.. أسرتي ليست معي.. كل ما في البلاد يوحى بأنها تتجه نحو التصادم وربما العنف.. ليالي قضيتها أقلب الأمور.. أخيرا استقر رأيي أن خياراتي محدودة، وأن الهجرة إلى أمريكا ولو بمثل هذه الحجة هو الخيار العملي الوحيد المتاح لي.. قررت أن أنفذها.. وأبلغت روزا..

تم الاتفاق مع فتاة من نيكاراغوا تحمل الجنسية الأمريكية على أن تساعدني مقابل مبلغ مالي… وكان الاتفاق صريحا وواضحا… إنه ليس زواج وإنما صفقة.. وإننا بمجرد حصولي على الإقامة سنفترق.. لكن …كان لا بد لي من اتخاذ إجراء آخر لم يخطر يوما ببالي ….”

” اتصلت بزوجتي بالضفة.. قلت لها.. أنت تعرفينني جيدا وتثقين بي.. قالت بكل تأكيد.. قلت لها.. سأطلب منك أمرا أعرف صعوبته عليك ولكن هو لمصلحتنا ومصلحة أطفالنا.. سيأتيك أخي ويصحبك إلى القاضي الشرعي حيث ستطلبين الطلاق مني.. ثم تقومين بإرسال الأوراق مصدقة من الجهات الرسمية لي…. انفعلت في البداية وجفلت.. ولكن عمق العلاقة التي بيننا وثقتها المطلقة في مكنها من أن تقوم بأكره الحلال.. وأن تبعث الأوراق لي.. لأقوم بإجراءات الزواج من الفتاة النيكاراغوية.. قمنا بتقديم المستندات للسفارة الأمريكية التي سرعان ما منحتني تأشيرة الدخول.. كنت قد خططت للذهاب إلى مدينة شيكاغو حيث لدي أقارب وأصدقاء هناك.. اتصلت بهم وأخبرتهم عن نيتي في القدوم.. وأنني سآتي إليهم حالما أرتب أموري القانونية.. وهذا ما تم”.

” … حين وصلت مدينة شيكاغو أحسست ولأول مرة منذ خروجي من الضفة بالغربة.. هذه غابة من العمارات الهائلة.. والطرق السريعة.. الجميع يركض وراء شيء ما.. الوجوه جادة وعابسة.. افتقدت بساطة الحياة لكني عزمت الأمر على أن أحقق ما أتيت من أجله.

جلست في ضيافة أصدقائي عدة أيام.. بعدها تناقشت معهم حول ما يعتقدون إن بإمكاني فعله هنا.. قلت لهم.. لقد وفرت بعض المال وأحضرته معي، وأتمنى أن أفتتح بقالة أو نشاطا صغيرا يتناسب مع إمكانياتي.. قالوا لي أن المبلغ الذي لديك لن يكفيك لتبدأ مشروعك إلا في الأحياء الصعبة من المدينة.. قلت ماذا تقصدون بذلك؟.. قالوا أحياء السود حيث تنتشر الجريمة والمخدرات.. قال لي أحدهم.. أسعار المحلات التجارية رخيصة نوعا ما.. لكن الكثير من الجرائم والعنف.. ومن العادة لا يأتيها إلا المضطر، ولكن من ناحية أخرى الأرباح معقولة.. وشرح لي المخاطر وكيف أنني لا بد لي من أن أقتني سلاحا، فقد أحتاجه للدفاع عن نفسي ”

” انتقلت إلى حي جنوب أوستن الذي يقطنه السود.. اشتريت محل بقالة على ناصية شارع.. وبدأت عملي متوكلا على الله.. وعازما على الاندماج في الحي ما استطعت.. كنت أعرف أن في كل حي يوجد أناس خيرون، وكنت ولله الحمد لا أحمل ضغينة أو توجهات عنصرية تجاه السود.. كنت أدرك أن الشباب الذي يقوم بالسطو أو الاعتداء يقومون بذلك لأنهم ضحايا للفقر والجهل والقسوة، وليس لأنهم سود.

لم تمض أسابيع حتى وطدت علاقاتي مع عدد من سكان الحي، وشيئا فشيء بدأت أعمالي في التصاعد.. الصبر والمثابرة والابتسام والكلمة الطيبة كانت أسلحتي تجاه الجميع، الذين كانوا ينادونني إبرهام أو ايب ويعاملونني معاملة طيبة..

بعد أشهر .. منحت الفرصة لصبي من الحي لأن يكون مساعدا لي.. وكان شابا نشطا ومرحا.. تركه والده منذ سنوات فربته أمه.. بعث في المحل نفسا جديدا.. ومنحني رفقة ابن كنت بأمس الحاجة إليها.. توثقت علاقتي به، واندمجنا معا حتى إنني صرت أأتمنه على المحل وأتركه لوحده حينما أحتاج إلى أن أغادر إلى مكان ما.. وصارت الأيام تبعث على التفاؤل، وصرت أخطط لقدوم الأسرة معي.. هاتفت زوجتي وقلت لها مازحا.. بدي أتقدم لخطبتك من جديد.. فهل توافقين؟.. وبين الدلال والعتاب والمناكفة.. اتفقنا على أن يأتي أخي إلى البيت لتذهب معه إلى القاضي لتعود إلى ذمتي مرة أخرى.. وكما في السابق قلت لها أن تقوم بالتصديق على الأوراق من الجهات الرسمية وتبعثها لي في أول فرصة.. وهذا ما كان”.

” تجربتي في شيكاغو.. اختلفت عن سابقتها.. ثمة اختلاف كبير بين أمريكا وجيرانها اللاتينيين.. نيكاراغوا لازالت تعيش مجتمع التضامن.. العلاقات بين الناس بسيطة ومباشرة وودودة.. أمريكا هي مجتمع التعاقد.. كل العلاقات تخضع للعقود والاتفاق المسبق الصريح والدقيق… أي لمواد قانونية.. هنا أدركت أهمية أن تعرف مسبقا حقوقك وواجباتك عند كل خطوة تخطوها.. لا وجود لحسن النية.. أو أن تدعي عدم المعرفة… فأمريكا يا صديقي.. لا تحمي المغفلين … !!!”

” … ذات صباح باكر.. أتيت للمحل ووجدت جو في انتظاري… كنا اتفقنا على المجيء مبكرا حتى أقوم بجرد البضائع في الجزء الخلفي للمحل، والذي كنت أستعمله للتخزين.. تعمدنا المجيء المبكر حتى ننتهي من الجرد قبل توافد الزبائن.. كان الجو شديد البرودة، وكنت قد تلحفت جيدا وارتديت قبعة سميكة كنا نسميها القبعة الروسية …”.

” ….وبينما أنا منهمك في عد وتسجيل الأصناف فجأة أحسست بتوتر شديد يعتريني.. سمعت جلبة.. وأصواتا غير مفهومة.. صرخة.. ثم صوت طلقة رصاص… كنت أحتفظ ببندقة لي في المخزن سارعت لحملها.. ثم اتجهت ببطء وحذر صوب الجزء الأمامي.. رأيت شخصا يحمل بندقية وآخر يحاول فتح درج النقود لأخذها.. كان ذهني في ذلك الوقت يبحث عن شيء واحدا.. ماذا حدث لجو؟.. اقتربت بسرعة من الشخصين ودون أن أعطيهما فرصة للتحرك أو الفعل بادرت بإطلاق الرصاص عليهما.. سقط أحدهما على الأرض بينما هرب الآخر باتجاه الباب.. سارعت بالركض خلفه.. لكنه سرعان ما اختفى… لم أكترث لمطاردته..عدت مسرعا إلى المحل لأجد جو ملقى على الأرض وقد فارق الحياة.. اتصلت بالإسعاف والشرطة.. كانت حصيلة ذلك اليوم الدامي هي مقتل شابين.. وجرح عميق في لم يندمل بعد….”

” … لم تطل تحقيقات الشرطة.. فالحالة واضحة.. أنا دافعت عن نفسي ومالي.. والتحقيقات أكدت قصتي.. لكن شيئا ما انكسر في داخلي.. أن تقتل إنسانا وشابا حتى وهو معتد علي لم يكن بالأمر الهين.. فقداني لجو.. وحزن أمه وانهيارها.. التوتر الذي ساد في الحي.. فأنا في نهاية المطاف بالنسبة للكثيرين منهم.. غريب جشع قد قتل شابا منهم.. كل ذلك أدخلني في دوامة من الحزن والاكتئاب.. أدركت أن بقائي في الحي لم يعد ممكنا.. وأن صفحة جديدة في مشوار غربتي قد بدأت أسطرها تتشكل.. إلى أين هذه المرة؟.. لا أعلم … ولكن الله كان بالتأكيد يعلم.”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى