الإثنين , 14 أكتوبر 2019
اخر ما نشر
رجل وطني ظلمه صمته.. محمود المنتصر في ذكري 49 لرحيله

رجل وطني ظلمه صمته.. محمود المنتصر في ذكري 49 لرحيله


* كتب/ المهدي يوسف كاجيجي

 

ولد في عام 1903م ،وتلقى تعليمه ما بين طرابلس وروما..

قبل الاستقلال ترأس مجلس إدارة الأوقاف الإسلامية في طرابلس، وشارك كعضو مؤسس في هيئة تحرير ليبيا التي ترأسها بشير السعداوي، ومندوبا عن إقليم طرابلس في لجنة الدستور.

وفي سنة 1951 كلّف بتشكيل حكومة ولاية طرابلس، فالحكومة الاتحادية المؤقتة للدولة الليبية، وعند إعلان الاستقلال كلفه الملك ادريس بتشكيل أول حكومة للمملكة الليبية المتحدة.

بعد استقالته من أول حكومة عمل سفيرا للمملكة في بريطانيا وإيطاليا واليونان ويوغسلافيا، وفى عام 1964م وفي ظروف صعبة استدعاه الملك لتشكيل وزارته الثانية، عُين بعدها رئيسا للديوان الملكي وظل وفيا مرتبطا بالملك ادريس لآخر يوم.

 

قال عنه السيد مصطفي بن حليم رئيس الوزراء السابق: “أعجبني فيه كياسته ونزاهته وإخلاصه للوطن وللملك.. يراعي الصدق التام في علاقاته الدولية ويتبع أساليب أخلاقية عالية”.

وصفه السيد محمد عثمان الصيد رئيس الحكومة الأسبق: “خدم بلاده. كما أنه رجل كريم ومضياف ويتصف بالشجاعة والنزاهة والرجولة. كان ارستقراطيا ولديه أنفة وكبرياء”.

 

رجل وطني ظلمه صمته

عندما ترأس السيد محمود “بي” المنتصر أول حكومة ليبية بعد الاستقلال، “كان التعداد السكاني مليونا وربعا، في بلد بلغت نسبة الأمية فيه 90٪؜ وعدد حاملي الشهادات الجامعية فيه لا يتعدى الستة عشر فردا، ودخل الفرد فيه ثلاثين دولارا في السنة، فقر شديد يضع شعبا كاملا علي مقربة من أسفل السلم الاقتصادي”.. وذلك حسب ما ورد في مذكرات السيد “هنري فيلار” أول سفير أمريكي في ليبيا. ولم يكن هناك خيار أمام الآباء المؤسسين من أجل توفير أموال لميزانية الدولة الوليدة، سوى القبول بالعرض البريطاني الأمريكي بتأجير قواعد عسكرية، لم يكن القرار فرديا، ولكن تم بأمر من الملك ادريس وموافقة الحكومة عليه بكامل أعضائها، ولكن لسوء حظ الرجل ارتبطت القضية وتداعياتها فيما بعد باسمه، ولسوء الفهم تعرض لهجوم عنيف متهما بالعمالة، فقد قابل كل ذلك بصمت شديد. كان نموذجا نادرا من رجال الدولة الوطنيين من الذين يعشقون أوطانهم بعقولهم قبل قلوبهم، لم يقف يوما أبدا مدافعا عن نفسه، شارحا لظروف المرحلة، وكثير منا لم يدرك الحقائق إلا بعد رحيله بما يقارب النصف قرن.

يقول الأستاذ بشير السني المنتصر وزير الدولة لشؤون رئاسة مجلس الوزراء في مذكراته أن السيد محمود المنتصر قال له: “اسمع يا ابني، أنا لا أكذب عليك ولا على الشعب الليبي. فعندما قبلت تأليف الحكومة للمرة الثانية وأنا في حالة من المرض لا تسمح لي بهذه المسؤولية، كنت آمل وأريد إلغاء المعاهدة البريطانية التي وقعتها عن إيمان بحاجة ليبيا إليها؛ لأن ليبيا كانت أفقر دولة في القارة الإفريقية وغير قادرة على تغطية مصاريفها الإدارية العادية ودفع مرتبات الموظفين والشرطة؛ ولهذا فحاجتنا المالية أجبرتنا على تأجير القواعد العسكرية لبريطانيا ثم لأمريكا، والآن أشعر بأننا لسنا في حاجة لمد يدنا لبضعة ملايين وعندنا عشرات الملايين تنهال علينا من البترول؛ ولهذا أدعو الله أن يساعدني الملك في التخلص من المعاهدة البريطانية والاتفاقية الأمريكية وجلاء القوات الأجنبية من جميع أنحاء ليبيا، وذلك راحة لضميري أمام الشعب الليبي، وحماية لأبنائي لأن يعيشوا حياتهم دون الشعور بين مواطنيهم بعقدة أن والدهم مهد للأجانب احتلال البلد.

 

لقاء الرئيس عبدالناصر

عند استدعائه لتشكيل الحكومة للمرة الثانية، تزامن وقتها إلقاء الرئيس جمال عبد الناصر خطابا بمناسبة الذكرى لقيام دولة الوحدة مع سوريا، وتعرض فيه للقواعد الأجنبية في ليبيا، وفُسر وقتها أنه هجوم علي حكومة السيد محمود المنتصر الجديدة، وفي مؤتمر القمة العربي الثاني الذي عقد في الاسكندرية، وفي لفتة “كريمة” استدعاه الرئيس جمال لاستقبال خاص في قصر راس التين، وعند عودته من المقابلة طلب من السيد بشير السني المنتصر، الذي نقلت عنه الواقعة كتابة تقرير ملخصه: “بأن الرئيس عبدالناصر استقبله منفردا بترحيب خاص مستفسرًا عن صحته وقال له: “لقد حرصت على مقابلتك حال وصولك لأني أريد توضيح بعض الأمور، لقد سمعت أن البعض أساء تفسير الخطبة التي ألقيتها بعد تأليفك لحكومتك الثانية، ومهاجمتي للقواعد العسكرية البريطانية، بأنها موجة ضدك شخصياّ، وهذا ليس صحيحا علي الإطلاق، فأنا لم أتمكن من الاجتماع بك في الماضي، ولا أحمل أي شيء ضدك، بل أقدر جهودك وعملك في بناء الدولة الليبية.”

 

التقرير السري البريطاني

في التقرير السري الذي كتبه السفير البريطاني في ليبيا “آلسير رودريك ساريل” لحكومته، بعد مقابلته للسيد محمود المنتصر في نهاية سنة 1964 وسمح بنشره مؤخرا يقول: “إن الصديق القديم الذي تعرفه بريطانيا سنة 1952 ليس هو محمود المنتصر الْيَوْمَ سنة 1964، ولهذا يجب أن تكون الحكومة البريطانية حذرة ومدعوة إلى تفكير جديد حول سياسة بريطانيا نحو ليبيا في المستقبل”.

 

لقاء العقيد القذافي

أستاذنا إبراهيم الهنقاري كان رفيقا للسيد محمود المنتصر في المعتقل كتب يقول: (روي لي السيد محمود المنتصر رحمه الله أن “قائد الثورة” قد زاره في المستشفى العسكري، وكال له من التهم ما شاء، أقلها “الخيانة والعمالة وإنشاء القواعد العسكرية البريطانية والأميركية في ليبيا، فنفى كل تلك التهم الظالمة وقال: “يا ابني هل تظن أننا منحنا الجنود والضباط البريطانيين والأمريكيين تأشيرات دخول إلى ليبيا مكتوب فيها أن الغرض من الدخول هو إقامة القواعد العسكرية؟!. إن هؤلاء العساكر كانوا يدخلون ويخرجون من ليبيا بطائراتهم ودباباتهم كما يشاؤون، في خضم حرب عالمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، والقواعد كانت موجودة في بلادنا قبل الاستقلال، وكان من الضروري أن نتعايش مع الواقع القائم، حتى نحصل على استقلالنا) فكان رد فعل العقيد، الأمر بإخراج الشيخ المريض من المستشفى، وإعادته إلى السجن، الذي لم يخرج منه إلا يوم لقاء ربه.

وأتذكر ذلك الْيَوْمَ جيدا، فقد صدرت لنا الأوامر من الرقيب العسكري على الصحف، بعدم نشر أي خبر أو تعزية عن رحيل السيد محمود المنتصر. وعندما نشرت الخبر جريدة الهدف لناشرها ورئيس تحريرها الزميل الأستاذ جمعة نصر رحمه الله، تم مصادرة العدد وإيقاف الجريدة عن الصدور. رحم الله السيد محمود “بي” المنتصر السياسي الوطني النبيل، وغفر لنا سوء فهمنا له وتقصيرنا نحوه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الصورة: لقطة تذكارية لضباط الشرطة الذين تمت ترقيتهم بمناسبة الاحتفالات بعيد الاستقلال، الصف الأول من اليمين إبراهيم بن سعود (مدير جوازات طرابلس)، سعيد بن قطنش (رئيس الحرس الملكي)، خليفة اليازجي. (وكيل الديون الملكي)، محمود المنتصر(رئيس الديون الملكي)، سالم بن طالب (مدير الشرطة للمحافظات الغربية)، فتحي الخوجة (كبير التشريفات الملكية)، محمد الزنتوتي (مدير الانتربول والجوازات العامة). من أرشيف السيد أبوالقاسم محمود المنتصر.

 

عن abubaker78

رئيس تحرير صحيفة الناس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*