الراي

رأي- المتحكــّـمون بليبيا.. ملاحظتان على تاريخ مرير

* كتب/ يحيى القويضي،

لست مختصا في التاريخ الليبي، لكن بالطبع هذا لا يمنع من ارتياده بين آن وآخر، أحيانا لإضاءة نقطة معتمة، أو لسد نقص، أو حتى من باب الفضول.
أي قارئ لتاريخنا سيلاحظ أن سلوك السلطة تجاه السلطة “الإدارة”؛ وسلوكها تجاه الرعايا “الممارسة”، يشغلان الحيز الأكبر في تاريخنا، ولطالما كانت العلاقة متوترة وشائكة بين هذه الكيانات.
السلطة والإدارة تتجسد العلاقة بينهما في تردّيات: الاغتصاب، التحكم، الإفساد، الفساد، الجبايات القسرية، الاستخدام الأهوج للقوة، اللا انتماء ، وعقلية الرحيل.
السلطة والناس علاقتهما ببعضهما مرتبطة عضويا بما سبق، ولهذا كانت دائما متمحورة حول مفاهيم وتصورات مؤلمة، وأحيانا دامية جدا :
الظلم والثورة، المقاومة والتبعية، التضحية والارتزاق، الانتفاض والإخماد، القمع والإبادة والتهجير.
أنه ـ ومن أسف ـ تاريخ دموع، ودماء، وحزن، وتقريبا لم تنج سلطة متحكمة من التورط في هذه الثنائيات المقيتة، سوى سلطة زمن المملكة لسببين رئيسين هما أنها قامت من وسط الليبيين، وبهم؛ ثم طبيعة شخصية الملك المؤسس الإدريس الأول رحمه الله، وبالأخص حالة كونه عاين وذاق بنفسه مرارة إشكالية السلطة والناس في ليبيا، وسدد فواتيرها: حربا، وسياسة، وتهجيرا، وتحريرا، وتأسيسا من العدم.
هذه ليست أحكاما، فلست ملزما ولا معنيا بإصدارها، فضلا عن رفضي المبدئي لمعالجة التاريخ بمنطق قاض، فالتاريخ رمادي، مائع، هلامي! أما الحكم فيستوجب قبله التمايز الواضح القاطع بين الألوان، ما يتعذر .
إنها في أحسن الأحوال مجرد محاولة للفهم، وهي نتجت عن تتبع سلوك السلطات المتحكمة في الوطن عبر حقب مديدة، ولعل من أهم ما يراه المرء خلال مقارنته لسلوكها، هو تفاوتها في درجات السوء!؛ حتى في أزمان الاحتلال، كان ثمة تباين واضح بين متحكم وآخر، وحقبة وأخرى.
الملاحظة المهمة الثانية هي أن المتحكمين في جناحي الوطن اليوم، هما من أسوأ السلطات عبر تاريخ ليبيا قاطبة، وحتى النقاط البيضاء النادرة على وثنيهما لا تكاد ترى ضآلة، وهوانا، وقلة حيلة!؛ ولم أعثر خلال تاريخنا على حقبة يمكن أن تنافسهما سوى حقبة جزّار فزّان الجنرال قراتسياني، مع الانتباه إلى أفضلية قراتسياني عليهم، لأنه ـ من وجهة نظره كإيطالي فاشي ـ كان يخدم وطنه بإخلاص، وكان يسعى ليثبّت إيطاليا في ـ حسب زعمهم ـ شاطئها الرابع!
المجرم قراتسياني أنبل وأشرف دوافع من هؤلاء، أما الممارسة فكادا أن يتطابقا، فللقتل صيغ متعددة.
وإذا كان رد الليبيين على قراتسياني كان صريحا ومباشرا عبر الثورة؛ فلا بد أن ردهم على كل هذا الإجرام سيكون هو الآخر عبر الثورة.
وإذا كان الطبرقي يعاني ذات معاناة الغاتي، وكان الزواري يعاني ذات معاناة الكفراوي؛ فقد اتضح من هو العدو.
وما علاجه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى