الرئيسيةالراي

رأي- المعلم الليبي بين كرامة المهنة وتضخم الملاك الوظيفي.

* كتب/ منير الساعدي،
ليست المشكلة أن المعلم الليبي اكتشف فجأة أنه يريد راتبًا أفضل، وليست المشكلة أيضًا أن الدولة اكتشفت فجأة أن فاتورة المرتبات أصبحت ثقيلة.
المشكلة أن الدولة الليبية تركت التعليم، كما تركت معظم ملفاتها، تتراكم حتى تحول من قطاع يفترض أن يصنع المستقبل إلى أزمة مالية وإدارية واجتماعية تتكرر كل عام، ولا يملك أحد الشجاعة الكافية لمعالجتها من جذورها.
اليوم يعتصم المعلمون، ويطالبون بتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية، والعدالة في الأجور، ورفع قيمة الحصة، والتأمين الصحي، والحماية القانونية، وصرف المستحقات. وقد دخل الاعتصام أسبوعه الثاني مع استمرار إغلاق عدد من المدارس في مناطق مختلفة.
وفي الجهة المقابلة، تقف الدولة أمام فاتورة أجور ضخمة، فيما يقول مصرف ليبيا المركزي إن ضبط الإنفاق وتوحيد جدول المرتبات أصبحا جزءًا أساسيًا من الإصلاح المالي. وحتى نهاية أغسطس 2026 بلغ الإنفاق المسجل في الباب الأول للمرتبات 46.9 مليار دينار، من إجمالي إنفاق عام بلغ 68.6 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى، مع ملاحظة أن رقم المرتبات لا يشمل مرتبات أغسطس.
وهكذا يبدو المشهد وكأننا أمام معركة بين طرفين: المعلم يريد حقه، والدولة تقول إن الخزينة لا تحتمل.
لكن هذه ليست الحقيقة كاملة، الحقيقة أن الطرفين يدفعان اليوم ثمن سنوات من سوء إدارة الدولة.
كما أن هناك خطأ يجب أن نتوقف عنده منذ البداية: اختزال المعلم في «فاتورة مرتبات». المعلم ليس رقمًا في قاعدة بيانات مصرف ليبيا المركزي، وليس مجرد اسم في كشف الباب الأول من الميزانية.
المعلم هو من يقف أمام الطفل الليبي ليصنع منه مواطنًا، وأمام الطالب ليؤهله لدخول الجامعة أو سوق العمل، وهو الذي يحمل جزءًا من مسؤولية بناء الإنسان الذي ستقوم عليه الدولة.
فإذا كانت ليبيا تريد دولة مؤسسات، فإن السؤال ليس فقط: كم ندفع للمعلم؟
بل: ماذا نريد من المعلم؟ وماذا وفرنا له لكي يؤدي ما نريده؟ وما قيمة الإنسان الذي يتولى صناعة الإنسان؟
لا يمكن لدولة أن تتحدث عن الاستثمار في الإنسان، ثم تتعامل مع المعلم باعتباره عبئًا ماليًا يجب التخلص من كلفته. وفي المقابل، لا يمكن للمعلم أن يطالب بحقوقه بمعزل عن حق الطالب في تعليم منتظم وجيد.
هذه ليست معركة بين المعلم والطالب، إنها مسؤولية الدولة تجاه الاثنين. لكن هل يكفي أن نقول: «ارفعوا المرتبات»؟ هنا تبدأ الحقيقة الصعبة.
المعلم الليبي يعيش بالفعل تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية. والراتب الذي كان يكفيه بالأمس لم يعد بالضرورة يوفر المستوى نفسه من المعيشة اليوم.
لكن الزيادة الاسمية في المرتب ليست علاجًا إذا ظل الاقتصاد ينتج الأسعار نفسها التي تلتهم الزيادة. فإذا ارتفع الراتب، ثم ارتفعت الأسعار، ثم ارتفع سعر الصرف، ثم تراجعت قيمة الدينار، فإن الدولة ستجد نفسها بعد فترة أمام المعلمين أنفسهم يطالبون بزيادة جديدة. وهكذا ندخل في الحلقة المفرغة التالية:
زيادة المرتبات ← زيادة الإنفاق ← ضغوط مالية ونقدية ← ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية ← مطالبة بزيادة جديدة.
ومن هنا فإن القضية ليست «هل نعطي المعلم زيادة؟». القضية هي: كيف نحمي القيمة الحقيقية لدخل المعلم؟
وهذا سؤال اقتصادي وسياسي، وليس مجرد سؤال مالي.
مصرف ليبيا المركزي محق في التحذير… لكن التحذير ليس حلًا. حين يحذر مصرف ليبيا المركزي من ضغط فاتورة المرتبات، فهناك منطق مالي لا يمكن تجاهله.
فالإنفاق على المرتبات بلغ عشرات المليارات، والمصرف المركزي ووزارة المالية وديوان المحاسبة بحثوا في 21 سبتمبر تحديدًا جدول المرتبات الموحد، وتنظيم الإنفاق، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة.
لكن هنا يجب أن يطرح السؤال الآخر: كيف وصلت ليبيا إلى هذه النقطة أصلًا؟ من وظّف؟ من اعتمد الملاك؟ من سمح بتعدد الجداول والبدلات؟ من فتح باب التعيينات دون ربطها بالحاجة؟ ومن جعل الوظيفة العامة وسيلة لاستيعاب البطالة بدل أن تكون جزءًا من جهاز دولة منتج؟
لا يجوز اليوم أن يُطلب من المعلم وحده دفع ثمن هذا التاريخ. فالمعلم لم يضع سياسة التوظيف. ولم يقرر حجم الجهاز الإداري. ولم يضع جداول المرتبات.ولم ينشئ الوظائف الوهمية إن وجدت. ولم يوزع العاملين على المؤسسات. الدولة هي التي فعلت ذلك عبر حكومات ومؤسسات وقرارات متراكمة.
ولهذا فإن إصلاح الملاك مسؤولية الدولة، وليس عقوبة جماعية للمعلمين. وهنا نصل إلى السؤال المسكوت عنه: كم عدد العاملين في التعليم؟
المشكلة ليست أن لدينا معلمين كثيرين بالضرورة. المشكلة أن ليبيا لا تزال بحاجة إلى إجابة شفافة عن سؤال بسيط:
كم تحتاج العملية التعليمية فعلًا من العاملين؟
التقارير المنشورة في سبتمبر تتحدث عن أعداد كبيرة جدًا للعاملين في قطاع التعليم، مع تقديرات تضع العدد الإجمالي للعاملين في نطاق مئات الآلاف، بينما تشير إلى أن عدد المعلمين الفعليين في الفصول أقل بكثير. لكن حتى هذه الأرقام تحتاج إلى تدقيق رسمي شامل، لأن الحديث عن «الملاك الوظيفي» لا يجوز أن يبنى على أرقام متداولة فقط.
نحتاج إلى كشف حقيقي يشمل:
عدد المعلمين – عدد الإداريين – عدد العاملين في الاحتياط – عدد المتغيبين – عدد المتقاعدين الذين ما زالوا على الملاك – عدد الموظفين الذين يعملون خارج تخصصاتهم – عدد المدارس – عدد الطلاب – عدد الفصول – عدد الحصص – الفائض في كل تخصص – العجز في كل تخصص – والتكلفة السنوية لكل ذلك.
عندها فقط يمكن أن نعرف: هل المشكلة في قلة المال، أم كثرة الموظفين، أم سوء التوزيع، أم سوء الإدارة؟
فالوظيفة العامة ليست صندوقًا اجتماعيًا. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تواجهها ليبيا دون تجميل.
لا يمكن أن تستمر الدولة في استخدام الوظيفة العامة كحل للبطالة، ثم تكتشف بعد سنوات أن الجهاز الإداري أصبح أكبر من قدرة الاقتصاد على تمويله. ولا يمكن أن تكون كل أزمة اجتماعية نهايتها: تعيين جديد، أو علاوة جديدة، أو جدول جديد. الدولة الحديثة لا تقيس عدد موظفيها بعدد من يحتاجون إلى وظيفة، وإنما بحجم الخدمات التي تحتاجها، وبعدد العاملين المطلوبين لإنتاج تلك الخدمات بكفاءة. وهذا ينطبق على التعليم قبل غيره.
لأن المدرسة لا تحتاج إلى عشرة موظفين إداريين إذا كانت تحتاج إلى معلمين. ولا تحتاج إلى خمسة معلمين في تخصص واحد بينما لا تجد مدرسًا لتخصص آخر. ولا تحتاج إلى معلم في الاحتياط بينما مدرسة أخرى تعاني نقصًا في المادة نفسها. المشكلة ليست دائمًا في عدد الأشخاص، بل في أين يوجدون وماذا يفعلون!
لا تجعلوا المعلم كبش فداء للملاك. لكن في الوقت نفسه، يجب ألا يتحول الدفاع عن المعلم إلى دفاع عن كل خلل في قطاع التعليم.
إذا ثبت وجود تضخم وظيفي، فيجب إصلاحه. إذا ثبت وجود تعيينات بلا حاجة، فيجب مراجعتها. إذا وجد فائض في تخصصات، فيجب إعادة التأهيل والتوزيع. إذا كان هناك إداريون أكثر مما تحتاج المدارس، فيجب إصلاح الهيكل. إذا كان هناك موظفون لا يؤدون عملًا فعليًا، فيجب تطبيق القانون.
لكن الإصلاح شيء، ومعاقبة المعلم شيء آخر. فلا يجوز أن تتحول عبارة «الملاك الوظيفي متضخم» إلى ذريعة لخفض قيمة المعلم، أو تركه بلا حقوق، أو تحميله مسؤولية أخطاء لم يرتكبها.
فالمطلوب هو تنظيف النظام، لا كسر المعلم.
وأيضاً في قطاع التعليم التقني والفني تُكشف مفارقة أكبر. والأمر أكثر وضوحًا في التعليم التقني والفني المتوسط.
هذا القطاع لا ينبغي أن يقاس بمنطق «كم موظفًا لدينا؟» فقط. السؤال الصحيح هو:
كم فنيًا تحتاج ليبيا؟ كم كهربائيًا؟ كم ميكانيكيًا؟ كم فني إلكترونيات؟ كم فني تبريد وتكييف؟ كم فني إنشاءات؟ كم متخصصًا في الحاسوب؟ كم تحتاج المصانع والموانئ والمطارات وشركات النفط والغاز والمقاولون وقطاعات الطاقة والخدمات؟
إذا كانت ليبيا تنفق على التعليم التقني ثم تستورد المهارات من الخارج، فالمشكلة ليست فقط في حجم الملاك. المشكلة في غياب الربط بين التعليم والاقتصاد.
وهنا يجب أن يصبح المعهد الفني المتوسط جزءًا من خطة التنمية، لا مجرد مؤسسة أخرى في كشف المرتبات.
أين ذهب مفهوم «قيمة المعلم»؟
المؤسف في هذا النقاش أن الجميع يتحدث عن المال، بينما يكاد يختفي الحديث عن المهنة نفسها.
كيف أصبح المعلم؟ هل يحصل على تدريب؟ هل هناك مسار مهني؟ هل هناك تقييم حقيقي؟ هل الترقية مرتبطة بالكفاءة؟ هل هناك حماية قانونية؟ هل البيئة المدرسية صالحة؟ هل المعامل والمختبرات والورش مجهزة؟ هل الإدارة المدرسية قادرة على القيادة؟ هل المجتمع يحترم المعلم؟ وهل الدولة نفسها تتعامل معه باعتباره صاحب مهنة ورسالة، أم باعتباره موظفًا آخر ينتظر المرتب؟
كرامة المعلم لا تُشترى بالمرتب وحده. لكن أيضًا لا يمكن الحديث عن كرامته بينما راتبه لا يواكب تكاليف الحياة.
المعادلة إذاً مزدوجة:
كرامة مهنية + عدالة اقتصادية.
ومن يدفع ثمن الفوضى؟
المعلم يدفع، الطالب يدفع، ولي الأمر يدفع، والدولة تدفع، والاقتصاد يدفع، والنتيجة أن الجميع يدفع، بينما لا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية أصل المشكلة.
المعلم يقول: الدولة لم تنفذ وعودها.
الدولة تقول: الموازنة لا تتحمل.
المصرف المركزي يقول: الإنفاق يحتاج إلى ضبط.
وزارة التعليم تقول: استمرار الاعتصام يضر بالعام الدراسي.
ولي الأمر يخشى ضياع العام الدراسي.
والطالب يقف في المنتصف.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح على الجميع:
متى ستتوقف ليبيا عن إدارة الأزمات بعد وقوعها وتبدأ في إدارة الدولة؟
نحتاج إلى «عقد جديد» مع المعلم ليس المطلوب انتصار الحكومة على المعلمين. وليس المطلوب أن يتحول الاعتصام إلى وسيلة لفرض أي رقم دون حساب.
المطلوب عقد واضح:
راتب عادل، مقابل عمل فعلي.
حماية قانونية، مقابل مسؤولية مهنية.
تدريب وتأهيل، مقابل تطوير الأداء.
ملاك واقعي، مقابل وقف التعيينات العشوائية.
إعادة توزيع، مقابل سد العجز.
تأمين صحي، مقابل استقرار وظيفي.
تقييم ومحاسبة، مقابل حقوق واضحة.
وفي الجانب المالي:
جدول موحد وعادل للمرتبات، ومراجعة للفوارق والبدلات، ومعالجة للقوة الشرائية، بالتوازي مع إصلاح اقتصادي يمنع التضخم من ابتلاع أي زيادة جديدة.
أما في الجانب الإداري، فلا بد من مراجعة وطنية مستقلة للملاك الوظيفي، لا تقوم على الانتقام أو الإقصاء، وإنما على البيانات.
ليبيا تحتاج إلى معرفة الحقيقة.
كم موظفًا لديها؟ كم معلمًا تحتاج؟ كم مدرسة تحتاج؟ كم طالبًا لديها؟ كم يكلف التعليم؟ وما النتيجة التي تحصل عليها مقابل كل دينار؟
الحقيقة التي يجب ألا يخاف منها أحد
المعلم ليس عدو الدولة.
والدولة ليست عدو المعلم.
لكن هناك عدوًا حقيقيًا للطرفين:
إدارة الأزمة بدل حلها.
أن ننتظر حتى يعتصم المعلم ثم نتحرك.
أن ننتظر حتى تتراكم المستحقات ثم نبدأ المفاوضات.
أن نترك الأسعار ترتفع ثم نناقش المرتبات.
أن نوسع الملاك ثم نكتشف أن الميزانية لا تتحمل.
أن ننتظر نقص المعلمين ثم نبحث عن حلول مؤقتة.
أن نبني التعليم عامًا بعد عام بلا رؤية لعشر سنوات قادمة.
هذه ليست سياسة دولة. هذه إدارة يوم بيوم لأزمة عمرها سنوات.
ليبيا لا تحتاج إلى معلم فقير ولا إلى جهاز متضخم. هذه هي المعادلة التي يجب أن نتوقف عندها. فلا نريد معلمًا فقيرًا يستهلكه الغلاء. ولا نريد جهازًا وظيفيًا متضخمًا يلتهم الموارد. لا نريد مرتبات منخفضة. ولا نريد زيادات عشوائية بلا قدرة على تمويلها. لا نريد مدارس مغلقة. ولا نريد معلمين داخل المدارس بلا تدريب أو أدوات أو تقييم. لا نريد دولة تقول «لا توجد أموال». ولا نريد مطالب لا تنظر إلى كلفة تمويلها واستدامتها.
نريد دولة تعرف أولوياتها.
والتعليم يجب أن يكون في مقدمة هذه الأولويات. لكن أولوية التعليم لا تعني فقط زيادة الإنفاق عليه. تعني إنفاقًا أكثر ذكاءً، وإدارة أفضل، وملاكًا أكثر دقة، ومعلمًا أكثر قيمة، وطالبًا أكثر حظًا في الحصول على تعليم حقيقي.
وأخيراً:
اعتصام المعلمين ليس المشكلة.
والملاك الوظيفي ليس المشكلة وحده.
والمرتبات ليست المشكلة وحدها.
والدينار والأسعار ليست المشكلة وحدها.
المشكلة هي غياب المعادلة التي تربط كل هذه الأشياء ببعضها. دولة تريد تعليمًا جيدًا، لكنها لم تحدد بدقة كم يكلفها. دولة تريد معلمًا محترمًا، لكنها لم تحسم قيمة مهنته. دولة تريد ضبط الإنفاق، لكنها تركت الملاك يتضخم. دولة تريد حماية المال العام، لكنها لم تنهِ اختلالات المرتبات.
ومعلم يريد حياة كريمة، لكنه يجد نفسه في مواجهة ميزانية الدولة. وطالب يريد الدراسة، لكنه يدفع ثمن الصراع.
لهذا فإن القضية اليوم ليست:
هل نؤيد المعلمين أم الحكومة؟ القضية أعمق من ذلك بكثير: هل نريد أن نبني دولة تعرف قيمة المعلم، وقيمة المال العام، وقيمة الطالب، في الوقت نفسه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فليكن الإصلاح شاملًا.
ولنبدأ بكشف الحقيقة كاملة: كشف الملاك، كشف المرتبات، كشف الفوارق، كشف الاحتياجات، كشف العجز، كشف الفائض، وكشف المسؤولية.
ثم بعد ذلك: نعطي المعلم حقه، ونحاسب من صنع الخلل، ونحمي الطالب، ونصلح الملاك، ونربط التعليم بسوق العمل، ونوقف تحويل الوظيفة العامة إلى حل دائم لكل أزمة اجتماعية. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا فعلًا في بناء دولة.
أما أن نستمر في تدوير الأزمة بين المعلم والحكومة والمصرف المركزي، فسنعود بعد عام إلى الاعتصام نفسه، وبالأسئلة نفسها، وبالوعود نفسها.
والدولة التي تعيد إنتاج السؤال نفسه كل عام، لا تكون قد عالجت الأزمة؛ بل تكون قد أدارتها فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى