
* كتب/ أنس أبوشعالة،
كل الدول تقريباً تفصل سُلطة الحكم العليا عن سلطة إدارة الدولة بالمفهوم الحكومي التنفيذي، إلا ليبيا، تجد الرئيس هو السلطان و هو الوزير، بل و رئيس الجمعية العمومية للشركات ومقاول المشروعات وأحياناً سفيراً للنوايا الحسنة، وربما وكيلاً وشاهداً على عقود الزواج، كما يقال الكل في الكل.
هذا الشكل الفريد من الحكم يجد أساسه من فكرة الرجل الخارق “المُلهَم” من السماء والمُلهِم لعموم الدهماء، فالرئيس الليبي يفقه في القانون والسياسة والإقتصاد والمالية والنقدية والإعمار والنفط والغاز وعلوم الفضاء والفلك، حتى هلال العيد يعلن ميلاده الرئيس بطوبته.
الرئيس السيسي والملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد والأمير تميم والأمير محمد بن سلمان والرئيس أردوغان، كل هؤلاء الزعماء والقادة يعملون ويديرون دواليب السلطة والحُكم والسياسات العليا والقضايا الاستراتيجية ذات الأبعاد والأعماق الماسة بكيان الدولة، وجوداً واستقراراً وحفظ وزنها وثقلها وأمنها القومي، ولا تراهم منهمكون في خرائط الطرق والكباري والفنادق والمدارس والمطارات والطائرات والمستشفيات، فتلك أمور تنفيذية تكنوقراطية تخصصية يقوم عليها أصحاب القدرات والكفاءات والخبرات الذين يعملون وفق خطط مرسومة واستراتيجيات مدروسة.
أما الخلط والجمع بين كل السلطات واختزالها في شخص الرئيس حفظه الله وأدام بقاءه سيؤدي حتماً إلى تفكك المؤسسات وترهلها وعجزها وفشلها، وهذا ليس أكبر همنا، فالهمّ الأهم هو الضغط الهائل الذي يقع على عاتق الرئيس الجامع المانع لكل السلطات وما يسببه قطعاً من شعوره بالإرهاق والتشتت وإحساسه المؤلم بجحود الشعب لمجهوداته الجبارة إذ أنه يحمل أثقال الجبال منفرداً ولا يلقى كلمة شكر صادقة من أي مواطن حتى لو كان هذا المواطن فقيراً أو مريضاً أو مديناً أو شقياً أو عانسا عن الزواج أو مُرهقا من بقاء العيال طول العام في البيت دون دراسة ولا تعليم، حتى لو كان مصاباً بالسكري دون أنسولين، حتى لو كان عليلاً بالأورام و الأدران، حتى لو كان غارقاً في مستنقعات الأمطار، حتى لو كان متوجساً من انفجار الاستقرار وسماع أصوات المدافع ودُخان الدمار،،
كل هذا لا يبرر للمواطن ألا يقول كلمة حق في حق الرئيس، والرئيس هو الصفة المستمرة منذ 2011 حتى يومنا هذا، فالعبرة ليست في الأشخاص وإنما في الصفة والعقلية التي تُدار بها الدولة.



