الرئيسيةالراي

رأي- بين هرمز وباب المندب.. هل يدفع العرب ثمن حروب الآخرين؟

 * كتب/ د.. محمود أبوزنداح
 asd 841984@gmail.com

أين ليبيا في هذه المعادلة؟
لم يعد المشهد في المنطقة العربية مجرد أزمة سياسية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع الأمريكيـ الإيراني، فقد بدأت تداعيات المواجهة تتجاوز حدود الدول والجبهات التقليدية، لتقترب من شرايين الاقتصاد العالمي وممراته البحرية الأكثر حساسية.
فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، تقف المنطقة أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا وخطورة. ممران بحريان يقعان في قلب حركة التجارة والطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد فيهما لا يمكن أن يبقى محصورًا في حدود الخليج أو اليمن، بل سرعان ما ينعكس على أسعار النفط، وحركة الملاحة، وسلاسل الإمداد، واقتصادات الدول، وعلى حياة المواطن العادي في أقصى العالم.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بعيدًا عن ضجيج المحاور: هل يملك العرب قرارهم في هذه الأزمة، أم أنهم يتحولون مرة أخرى إلى ساحات لتصفية حسابات الآخرين؟
ليبيا.. درس الاصطفاف
ومن ليبيا، التي دفعت خلال السنوات الماضية ثمنًا باهظًا للصراع الإقليمي والدولي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا.
لقد تعلم الليبيون، وبمرارة، أن الاصطفاف المبكر خلف هذا المحور أو ذاك قد يحول الخلاف السياسي إلى صراع مفتوح، وأن الحسابات التي تبدو رابحة في لحظة معينة قد تنقلب رأسًا على عقب عندما تتغير موازين القوى.
ولهذا فإن الموقف الليبي من أزمات المنطقة ينبغي ألا يقوم على ردود الفعل أو التسرع في إعلان الاصطفاف، وإنما على قاعدة واضحة: المصلحة الوطنية الليبية أولًا، والسلام والاستقرار العربي ثانيًا، وعدم تحويل ليبيا إلى طرف في صراعات لا تخدم شعبها.
ومن هذا المنطلق، فإن لغة الحوار والدبلوماسية التي اتجهت إليها حكومة الوحدة الوطنية في التعامل مع الأزمة اليمنية والخلافات الخليجية تبدو أقرب إلى المنطق السياسي الذي تحتاجه المنطقة في هذه المرحلة.
فاليمن بلد عربي وشعب عربي، والسعودية دولة عربية وشقيقة، ودول الخليج جزء من النسيج العربي، ولا يمكن أن يكون الحل الدائم في تحويل الخلافات العربية إلى حروب مفتوحة، أو في استدعاء القوى الدولية لتحديد مستقبل المنطقة نيابة عن شعوبها.
لا تتعجلوا قراءة المشهد
المشكلة الكبرى ليست فقط في الحرب، وإنما في القراءة الخاطئة للحرب.
ففي منطقتنا كثيرًا ما تُبنى المواقف السياسية على صورة لحظية للمشهد، ثم تتغير الصورة بعد أيام أو أسابيع، بينما تبقى التصريحات والمواقف مسجلة في ذاكرة الشعوب والتاريخ.
ولهذا فإن التسرع في تأييد أي عمل عسكري، أو الانحياز الكامل إلى طرف من أطراف الصراع، قبل معرفة اتجاه الأحداث ومآلاتها، قد يحول الدولة من صاحب موقف سياسي إلى طرف في الأزمة.
وما يحدث في اليمن مثال واضح على ذلك.
فالجغرافيا هنا ليست تفصيلًا ثانويًا. باب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة، كما أن هرمز ليس مجرد مضيق مائي. إنهما جزء من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، ولذلك فإن أي تصعيد حولهما يحمل نتائج تتجاوز اليمن وإيران ودول الخليج.
ومن الخطأ أن ننظر إلى الأمر وكأنه معركة بين طرفين فقط.
إنها أزمة يمكن أن يدفع ثمنها المواطن العربي في سعر الوقود والغذاء والنقل، وقد يدفع ثمنها الاقتصاد العالمي بأسره.
المغرب العربي ليس نسخة واحدة
ومن المهم كذلك ألا نتعامل مع المغرب العربي باعتباره كتلة سياسية متطابقة.
فالجزائر لها حساباتها ورؤيتها ومواقفها، وتونس لها خصوصيتها، وليبيا لها ظروفها الداخلية والجغرافية، بينما للمغرب أولوياته وتحالفاته وحساباته المرتبطة أساسًا بقضية الصحراء الغربية وعلاقاته الدولية.
وهذا التباين لا ينبغي أن يكون مصدر ضعف بالضرورة؛ بل يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة إذا استطاعت دول المغرب العربي أن تتعامل مع أزمات المنطقة من منطلق مصالحها الوطنية، دون أن تتحول إلى امتدادات لمحاور خارجية.
فالمنطقة العربية لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات.
تحتاج إلى دبلوماسية عربية مستقلة.
وتحتاج إلى أن تعيد اكتشاف قيمة الحوار قبل أن يصبح الحوار مستحيلًا.
من اليمن إلى لبنان.. المنطقة تدفع الثمن
ما يحدث في اليمن لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في المنطقة.
لبنان حاضر في قلب الأزمة، والخليج حاضر، وإيران حاضرة، والولايات المتحدة حاضرة، وإسرائيل حاضرة، والممرات البحرية أصبحت جزءًا من معادلة الصراع.
وكلما اتسعت دائرة الأطراف، أصبح الوصول إلى حل سياسي أكثر صعوبة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يستطيع أن يوجه الضربة الأقوى؟
بل: من يستطيع أن يمنع الحرب من التحول إلى حريق إقليمي شامل؟
هذه هي المسؤولية التي ينبغي أن تتحملها الدول العربية.
فالانتصار العسكري المؤقت لا يصنع بالضرورة استقرارًا سياسيًا، والقوة لا تستطيع وحدها أن تنتج سلامًا دائمًا.
لا نريد أن نكرر تجربة ليبيا
ومن ليبيا تحديدًا، أقول إن لدينا تجربة يجب أن نتعلم منها.
لقد رأينا كيف تحولت بلادنا إلى مساحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وكيف أصبح القرار الوطني في أحيان كثيرة محكومًا بتوازنات تتجاوز الحدود.
ولهذا لا نريد أن نرى اليمن يسير في الطريق نفسه.
ولا نريد أن يصبح لبنان ساحة جديدة لتصفية الحسابات.
ولا نريد أن يتحول الخليج إلى مسرح دائم للصراع بين القوى الكبرى.
ولا نريد أن يكون العربي مجرد متفرج على صراع تُرسم خرائطه خارج المنطقة، ثم يُطلب منه دفع فاتورته.
الدبلوماسية ليست ضعفًا
في السياسة، ليست الدولة الأقوى هي التي ترفع سقف التصعيد دائمًا، وإنما الدولة التي تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم الدبلوماسية، ومتى تصمت حتى تتضح الصورة.
ولهذا فإن الدعوة إلى الحوار ليست موقفًا ضعيفًا.
والتحفظ على الحرب ليس خوفًا.
وعدم الانضمام المتسرع إلى محور من المحاور ليس حيادًا سلبيًا.
بل قد يكون ذلك هو عين الحكمة السياسية.
العرب اليوم بحاجة إلى موقف يرفض الحرب، ويدعم الحوار، ويحمي سيادة الدول، ويحفظ وحدة أراضيها، ويمنع استهداف المدنيين، ويحافظ على أمن الملاحة الدولية، وفي الوقت نفسه يرفض أن تتحول المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة للحروب بالوكالة.
كلمة من ليبيا
إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نكرر أخطاء الماضي.
فمن هرمز إلى باب المندب، ومن اليمن إلى لبنان، ومن الخليج إلى شمال أفريقيا، نحن أمام منطقة تحتاج إلى العقل أكثر مما تحتاج إلى البيانات النارية.
ومن ليبيا، التي عرفت جيدًا ثمن الحروب وتدخلات الآخرين، أقول:
لا تجعلوا اليمن ساحة جديدة لحرب الآخرين، ولا تجعلوا لبنان صندوق بريد للصراعات الإقليمية، ولا تجعلوا الخليج رهينة لصراع القوى الكبرى.
العرب لا يحتاجون إلى مزيد من المحاور.
يحتاجون إلى قرار عربي.
وإذا كان مضيق هرمز وباب المندب قد أصبحا في قلب أزمة دولية تهدد الاقتصاد العالمي، فإن المطلوب ليس أن يسأل العرب: مع من نقف؟
بل أن يسألوا أولًا:
كيف نمنع الحرب؟
وكيف نحمي شعوبنا؟
وكيف نستعيد قرارنا؟

فالحرب قد تبدأ ببيان سياسي، وقد تبدأ بتصريح متعجل، لكنها حين تشتعل لا تملك البيانات وحدها القدرة على إطفائها.
ولهذا، فإن الحكمة اليوم ليست فيمن يرفع صوته أكثر، وإنما فيمن يستطيع أن يرى أبعد من دخان المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى