الرئيسيةالراي

هل الإصلاح في ليبيا أصبح مستحيلا!؟

* كتب/ وحيد الجبو،

كيف تبخرت المليارات وبقي المواطن في الظلام؟!

​بينما تنام مدن كاملة تحت رحمة الإظلام التام، وتئن العائلات تحت وطأة صيف حارق وشتاء قارس، ويصرخ المرضى لتوقّف الأجهزة في غرف العناية والإنعاش، يتردد سؤال واحد عند عامة الناس: أين ذهبت عشرات المليارات التي رُصدت  لإصلاح قطاع الكهرباء؟!

​إن ما تكشفه تقارير ديوان المحاسبة والنيابة العامة بالأرقام، يثبت أن أزمة الكهرباء في ليبيا لم تكن يوماً أزمة نقص إمكانيات فنية، بل هي قصة فساد هيكلي تتقاسم مسؤوليته الحكومات التي استخدمت الملف كغطاء للصرف الاستثنائي، وإدارات متعاقبة لشركة الكهرباء الليبية نفذت صفقات مشبوهة خلف أبواب مغلقة.

​و​لندرك حجم الكارثة، وحجم الفساد يكفي النظر إلى الأرقام المستندية التي تم تسييلها في السنوات الأخيرة فقط:

– ​26.7 مليار دينار هي الميزانية الإجمالية التي خُصصت للشركة خلال فقط (2022-2024).

تلاها قفزات ومبالغ إضافية تحت بند “ميزانيات استثنائية” في الأعوام اللاحقة لتتجاوز التكلفة الإجمالية حاجز 40 مليار دينار مخصصة فقط للشركة العامة للكهرباء..

– ​44 مليار دينار: وهو الحجم المرعب الذي سجله دعم المحروقات (الديزل والغاز) في الميزانية العامة الأخيرة، والذي يُفترض أن يذهب جزء ضخم منه لتشغيل محطات التوليد.

​إذا قمنا بالحسبة البسيطة، نجد أن الدولة أنفقت بالعملة المحلية والأجنبية ما يكفي لبناء شبكات توليد حديثة قادرة على إضاءة ثلاث دول بحجم ليبيا وتصدير الفائض. فماذا حدث على الأرض؟

و​أين الخلل وأين مواقع الفساد  بداية من الشركة إلى دوائر الحكومة؟

​فساد هذا الملف يتحرك في دائرة مغلقة يشترك فيها الطرفان (الحكومة والشركة):

​1. فخ العقود الطارئة، وربما وتهريب العملة وعدم تطبيق لائحة العقود الإدارية:

​تقارير ديوان المحاسبة رصدت إصراراً مريباً من مجالس إدارة الشركة على إبرام عقود ومشاريع توصف دائماً بـ “الاستعجالية والطارئة”.. هذه العقود تُمنح عبر التكليف المباشر لشركات بعينها، دون عطاءات عامة وبأسعار مضاعفة. وشبه الفساد والرشاوي واضحة.. والنتيجة؟

فتح اعتمادات مستندية بمئات ملايين الدولارات لقطع غيار وصيانات وهمية إما لم تُنفذ، أو وصلت بمعدات مقلدة وغير مطابقة للمواصفات الفنية. او لم يصل إلا. جزء منها.

إن غطاء “الميزانيات الاستثنائية” في ​الحكومات المتعاقبة، تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن تسييل مليارات خارج الميزانيات الرسمية المعتمدة وبشكل غير خاضع للرقابة المسبقة.

فقد رصد ديوان المحاسبة وجود “مصروفات حكومية ضخمة لم تُسجل محاسبياً”، حيث يتم الصرف بشكل مباشر لشركات الكهرباء والمشروعات دون إلزامها بتقديم تقارير إنجاز فعلية، أو تفعيل نظم الحوكمة الصارمة لمنع الهدر.

​مع التذكير أن جريمة “المبادلة” وتهريب وقود المحطات، حيث ​تُظهر التقارير الرسمية أن الدولة تشتري المحروقات وتشحن الغاز بقيمة تتجاوز 9 مليارات دولار -وليس دينار- بنظام المقايضة بالنفط الخام لتشغيل محطات التوليد المحلية. إن الفساد الصادم هنا يتمثل في عمليات “التهريب الممنهج” للديزل المستلم؛ حيث تُقفل المحطات أبوابها فجأة بحجة “نقص إمدادات الوقود”، بينما تتواطأ شبكات مصالح لتهريب هذا الوقود الممول من قوت الشعب وبيعه في عرض البحر أو السوق السوداء للتربح السريع. من قبل عصابات نافدة في البلاد إما بقوة السلاح أو بقوة السلطة.

 

​والجدير بالذكر أن الإهمال العمدي ضيع  2700 ميغاوات ​وفقاً لإحاطات ديوان المحاسبة.

فالإدارة تعمدت تجاوز ساعات العمل المحددة لبعض الوحدات وتجاهلت توفير قطع غيار في وقتها، مما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان هذا التقصير متعمداً لاستمرار صفقات استئجار المولدات المجرورة المكلفة.  وبيع المولدات المنزلية في تآمر واضح بين التجار المتخصصين في الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية، وبين أعوان السلطة وبحماية من مجموعات مسلحة.​

​إن استمرار انقطاع الكهرباء ليس بسبب “الطقس” أو “النمو السكاني” كما تحاول البيانات الإعلامية المضللة ترويجه. فالحقيقة الرقمية تقول: إن الأموال التي صُرفت كانت كفيلة بإنهاء الأزمة للأبد، لكنها تحولت إلى ثروات في حسابات الفاسدين. واللصوص.

​إن التوعية تبدأ من رفض الأعذار الواهية، والوعي بأن أموال الصيانة والتشغيل تنهب في وضح النهار.

إن إصلاح قطاع الكهرباء لن يتحقق بضخ المزيد من المليارات، بل يبدأ من ملاحقة القضاء للرؤوس الكبيرة في الشركة والحكومة التي وقّعت على هذه العقود الوهمية، وإيقاف نزيف المال العام كخطوة أولى لاستعادة الضوء المنهوب.

فمتى يحين موعد المحاسبة؟!

ومتى يستفيق الضمير لدي المتفرجين على أفعال الفاسدين واللصوص؟

ومتى تخرج ليبيا من هذا النفق الظلامي الذي جعلها من أكبر 5 دول الأكثر فساداً في العالم؟

وأين الثواب والعقاب؟

متى تضرب الأجهزة التنفيذية بيد من حديد على وجه العابثين والفاسدين الذين ابتلت بهم البلاد؟!

ومتى يأخذ القضاء طريقة لوضع حد لهم وإنقاذ المجتمع من جرائمهم الخسيسة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى