الرئيسيةالراي

شاحنات الموت تُهدد أمن الطرقات في ليبيا..

حين تغيب الرقابة. كيف تحولت الشاحنات المتهالكة إلى كابوس يطارد الليبيين؟

* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،

عندما تقود سيارتك في الطرق الليبية عامة، وشوارع مدينة طرابلس خاصة، يكون تركيزك كاملاً ومستنفذاً لتفادي الحفر المفاجئة وبقايا البناء المتروكة على جوانب الطريق، وسط ازدحام مروري يضغط على الأعصاب. لكنك سرعان ما تجد نفسك أمام هاجس أشد خطورة ورعباً يظهر فجأة ودون سابق إنذار: شاحنة منهكة متهالكة ترتعش أجزاؤها، وهي تحمل الرمال أو الركام أو الأسمنت.

تنتابك لحظات من الخوف الشديد وأنت ترى بأم عينك صندوق الشاحنة يتمايل أمامك، وتتساقط منه الرمال والأتربة لتغطي الزجاج كأنها سحب عاصفة، بينما يتكفل تطاير الحصى بتهشيم زجاج المركبات الممتدة خلفها. وفي تلك اللحظة، تفكر في الهروب للابتعاد عن خطرها، لكن اختناق حركة المرور وتزاحم السيارات يجعلك محاصَراً دون مفر، فتنطق بالشهادتين خوفاً من أن ينقلب الصندوق أو الحاوية فوق سيارتك، أو أن تردمك الرمال المتطايرة. وحتى إن حالفك الحظ ونجحت في تجاوزها، سرعان ما تراها في مرآتك تطاردك بسرعة جنونية، لتسلم أمرك لله مجدداً وسط غياب تام للرقابة وتنظيم المرور.

ومن الخطر الفردي إلى التهديد الجماعي، فهذه التجربة القاسية التي يعيشها المواطن يومياً على الطرق الحيوية مثل طريق المطار في طرابلس ليست مجرد مشاهد فردية، بل هي نتاج واقع مروري أليم؛ فتراكم الكثبان وانزلاق المركبات هو نتيجة التناثر المستمر للرمال من الشاحنات المكشوفة إلى تشكيل “كثبان” صغيرة على الأسفلت تتسبب في انزلاق السيارات وفقدان السيطرة عليها. وتداعي الأجزاء الميكانيكية يكمن في أن معظم هذه الشاحنات القديمة تفتقر لأدنى معايير الصيانة، باستثناء ما يُبقي محركها يعمل، مع إهمال تام لمنظومات المكابح والإطارات والأنوار. أما تطاير بقايا البناء وتساقط الخرسانة والأنقاض من خلاطات ومحملات البناء غير المغطاة، فيشكل عوائق صلبة قاتلة على طرقات السرعة العالية.

لا تقتصر أبعاد المشكلة على تهالك الشاحنات فحسب، بل تمتد إلى أخطاء تشغيلية وأسباب فنية وتنظيمية مباشرة تؤدي إلى كوارث محققة؛ مثل ارتفاع مركز الثقل في الشاحنة، فالتوزيع غير الصحيح للحمولة وسوء تثبيتها يرفعان من احتمالية انقلابها فور قيام السائق بأي مناورة مفاجئة، كما أن الحمولات الزائدة عن قدرة الشاحنة وتجاوز الأوزان للحدود القانونية المصرح بها يتسببان في إتلاف البنية التحتية للطرق والجسور، فضلاً عن ضعف استجابة الفرامل. يُضاف إلى ذلك غياب التجهيزات الوقائية نتيجة امتناع السائقين عن تغطية الصناديق بالمشمعات، أو عدم التأكد من سلامة أقفال تثبيت الحاويات الجانبية والخلفية.

وأخيرا لإنهاء هذا الكابوس اليومي والحد من الحوادث الكارثية، يتطلب الأمر حزمة من الإجراءات الحاسمة وخريطة طريق لإعادة الأمان الى طرقات ليبيا المنكوبة؛ وهذه الإجراءات تتمثل اولا في الرقابة الميدانية والتطبيق الصارم للقانون، وتفعيل الدوريات وتغليظ العقوبات، وتكثيف تواجد شرطة المرور عند مداخل المدن والمخارج، وفرض غرامات رادعة وحجز الشاحنات المخالفة لحين استيفاء شروط السلامة. والتدقيق في الفحص الفني الدوري الشامل بإلزام كافة شاحنات النقل الثقيل بإجراء فحص دوري للمكابح، والإطارات، وهيكل الشاحنة، وأجهزة التعليق قبل إعطائها ترخيص السير.

وثانياً في الاشتراطات الفنية وشروط السير، عبر إلزامية تغطية الحمولات، ومنع سير أي شاحنة تحمل مواد سائبة (رمال، أنقاض، إسمنت) دون غطاء مرن/مشمع محكم. وتطبيق وسائل الوقاية الحديثة بالتركيز على إلزام الشاحنات بتثبيت مصدات الحماية الجانبية والخلفية، والعواكس الضوئية الشريطية، ومحددات السرعة.

وفي النهاية تنظيم أوقات ومسارات النقل بتحديد مسارات مخصصة لشاحنات البضائع وساعات محددة لدخولها المدن تجنباً لساعات الذروة والازدحام.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى